إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: 40] .
وللذاكر من هذه المعية نصيب وافر؛ كما في الحديث الإلهي: «أنا مع عبدي إذا ذكرني وتحركت بي شفتاه» [1] .
والمعية الحاصلة للذاكر معية لا يشبهها شيء، وهي أخص من المعية الحاصلة للمحسن والمتقي، وهي معية لا تدركها العبارة، ولا تنالها الصفة، وإنما تعلم بالذوق [2] ، وهي مزلة أقدام إن لم يصحب العبد فيها تمييزٌ بين القديم [3] والمحدث، بين الرب والعبد، بين الخالق والمخلوق، بين العابد والمعبود، وإلا وقع في حلول يضاهي به النصارى، أو اتحاد يضاهي به القائلين بوحدة الوجود، وأن وجود الرب عين وجود هذه الموجودات؛ بل ليس عندهم رب وعبد، ولا خلق وحق؛ بل الرب هو العبد، والعبد هو الرب، والخلق المشبه هو الحق المنزه، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا.
والمقصود أنه إن لم يكن مع العبد عقيدة صحيحة، وإلا فإذا استولى عليه سلطان الذكر، وغاب بمذكوره عن ذكره وعن نفسه ولج
(1) أخرجه البخاري (13/ 508 - فتح) تعليقًا.
ووصله ابن ماجه (3792) ، وأحمد (2/ 540) ، والحاكم (1/ 496) ، وابن حبان (2316 - موارد) .
قلت: وهو صحيح. وفيه دحض للبدعة النقشبندية الزاعمة أن الذكر النفسي أفضل وأجل، وفي «الأصل» زيادة توضيح.
(2) وهو الذوق الشرعي لا الضلالي البدعي؛ كما يدل عليه سياق كلام المصنف - رحمه الله. وانظر بيانه في رسالتي «حلاوة الإيمان» نشر مكتبة ابن الجوزي.
(3) والحق أن يقال الأول لقوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ} الآية. وراجع للفائدة تعليق الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى على الطحاوية ... الحربي.