الاسم الثالث عشر اسم الله المبين، فقد ورد في القرآن على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية، في قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ) (النور:25) ولم يذكر إلا في هذا المرة، ولم يرد في حديث ثابت صحيح، لكن الآية دليل صريح على أن الله سمي نفس به، وقد ورد هذا الاسم في أعقاب اتهام المنافقين لأم المؤمنين في حادثة الإفك: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ) (النور:25) .
والمبين اسم فاعل للموصوف بالإبانة من الفعل أبان، وبيان الشيء ظهوره ووضوحه، فالبيان في الكلام فصاحته والبينة في القضاء هي الدليل والحجة، أما الإبانة فهي الإظهار والإيضاح، وقد تكون أيضا بمعنى إظهار ما خفي من الحقيقة، والمبين اسم من أسماء الله يدل علي ذات الله وعلى صفة البيان والإبانة المطلقة لكل معان الحق والحقيقة بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة البيان والإبانة بالتضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية والعلم والصمدية والمشيئة والقدرة والقوة، وكل ما يلزم من صفات الذات وصفات الفعل لبيان الحق والفصل بين الخلق في جميع الأمور.
والله عز وجل بين لعباده آياته بكل أنواع البيان، ويقيم حجته على خلقه بكل أنواع البرهان (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) (الحج:5) (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران:138) (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النساء:26) (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (إبراهيم:4) .
كيف ندعو الله باسمه المبين دعاء مسألة ودعاء عبادة، دعاء المسألة أن يذكر الاسم في دعائه لاسيما إن كان مظلوما ولا يجد حجة لبراءته أو منصفا أو دليلا، كأن يقول: اللهم أنت الحق المبين فرج كربي وارفع الظلم عني، أما دعاء العبادة فهو مظهر يتجلى في بيان الحق لأن الله هو المبين، فلا يفعل فعل أهل الكتاب (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (آل عمران:187) .
وروى البيهقي بسنده عن الأوزاعى أنه قال: دخلت على الخليفة المنصور فقال لي ما الذي بطأ بك عنى قلت يا أمير المؤمنين وما الذي تريده منى؟ فقال: الاقتباس منك، قلت: انظر ماذا تقول؟ فإن مكحولا حدثنى عن عطية بن بشير أن رسول الله قال: من بلغه عن الله نصيحة في دينه فهى رحمة من الله سيقت إليه، فإن قبلها من الله بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه ليزداد إثما وليزداد عليه غضبا، وإن بلغه شيء من الحق فرضي فله الرضا وإن سخط فله السخط ومن كرهه فقد كره الله لأن الله هو الحق المبين، فلا تجهلن قال: وكيف أجهل؟ قال تسمع ولا تعمل بما تسمع، قال الأوزاعي فسل على الربيع السيف وقال: تقول لأمير المؤمنين هذا، فانتهره المنصور وقال أمسك ثم واصل الأوزاعى فقال: إنك قد أصبحت من هذه الخلافة بالذي أصبحت به والله سائلك عن صغيرها وكبيرها وفتيلها ونقيرها ولقد حدثني عروة بن رويم أن رسول الله قال: ما من راع يبيت غاشا لرعيته إلا حرم الله عليه رائحة الجنة فحقيق على الوالي أن يكون لرعيته ناظرا وبالقسط قائما ولما استطاع من عوراتهم ساترا.