فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 248

أما دعاء العبادة فيظهر من سلوك العبد وتوجيه أفعاله في الحياة على أن الملك باق لله الحي القيوم، وأنه في دار ابتلاء تعقبها دار جزاء، وأن الملك لله في البدء عند إنشاء الخلق فلم يكن أحد من الإحياء سواه؟ والملك لله في المنتهى عند زوال الأرض لأنه لن يبقى من الأحياء سواه؟ فلا ينسب الملك على الحقيقة لغير الله، وإنما سبيل الابتلاء في هذه الحياة؟ ولا يشرك بالله في الاستغاثة والدعاء، أو المحبة والخوف والرجاء؟ لأن الدعاء يستلزم إثبات صفة الحياة للأنداد من الأموات، والحياة أصل في اتصافهم بالعلم والغنى القدرة، والسمع والبصر والقوة وغير ذلك مماهو لازم لإجابة الدعاء، وقد نفي الله عنهم ذلك لأنهم أموات، فقال: (ذَلِكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلكُ وَالذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير ٍإِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النحل:21) .

الاسم الثامن من أسماء الله عز وجل اسمه القيوم فقد سمي الله به نفسه وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية، مسندا إليه المعنى محمولا عليه، ودخلت عليه أل التعريف ولام الجر والنداء وغير ذلك من العلامات فمن القرآن قوله تعالى: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) (طه:111) (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (البقرة:255) (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (آل عمران:2) وفي صحيح مسلم عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ له: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِى أي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ قُلْتُ: اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَي الْقَيُّومُ قَالَ فَضَرَبَ فِي صدري، وَقَالَ: وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ.

وقد تقدمت الأحاديث التي تدل على اسم الله القيوم عن الحديث عن اسمه الحي لأنهما يردان في أغلب الروايات مقترنين، والقيم في اللغة هو السيد الذي يسوس الأمور ويدبرها، فقيم البلدة سيدها وأمينها ومدبرها، الذي بيده تدبير أمرها، والقيوم يدل على وصف القيام والإقامة، قام بذاته فلا يحتاج إلى غيره، وأقام غيره لأن غيره مفتقر إليه، وعند الإمام البخاري من حديث ابْن عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهمَا قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ صَلى الله عَلَيْهِ وَسَلمَ إِذَا قَامَ مِنَ الليْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ اللهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ) ، (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُل سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَل زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الرعد:33) .

والقيوم أيضا هو القائم بنفسه، الذي بلغ مطلق الكمال في وصفه، والباقي بكماله ووصفه على الدوام، دون تغيير أو تأثر، فقد يكون الحي سميعا لكن يتأثر سمعه مع مرور الوقت، فيفتقر إلى وسيلة إضافية للسماع، فيضع سماعة أو آلة يستعين بها، فلا بد أن يكون قيوما في سمعه له البقاء والكمال فيه على الدوام، وقد يكون الحي بصيرا لكن بصره يتأثر مع مرور الوقت، فيفتقر إلى وسيلة إضافية للإبصار، فيضع نظارة يستعين بها، فلا بد أن يكون قيوما في بصره له البقاء والكمال فيه على الدوام، فالحي قد يكون متصفا بالصفات لكنه يتأثر بالغفلة والسنات، فتتأثر وتضمحل الصفات، وربما ينام فتنعدم حال نومه، فلو كان قائما دائما لكملت حياته وبقيت صفاته، ولذلك قال تعالى: (اللهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) فأثبت الحياة والقيومية اللازمة لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت