فالاسم الأعظم ليس كما يصوره الصوفية حسب أهوائهم وأذواقهم سر مكنون وغيب مصون، مقصور على أوليائهم، ويأخذونه عن مشايخهم بالتلقي مع العهد بالسند إلى قدماء الأولياء، كصاحب كتاب ختم الأولياء، أو بلعام بن باعوراء، فصاحب كتاب ختم الأولياء، الحكيم الترمذي الصوفي أعجبه اسم الرب، فزعم أنه الإسم الأعظم وحوله من جهر إلى سر، والناس يعتقدون أن الاسم غيب مكنون، وسر مصون، وهم جميعا يعرفون ويرددون (الحمد لله رب العالمين) ، يقول الحكيم الترمذي: (اسم الرب هو الاسم الأعظم المكنون الذي منه خرجت الأسماء، فمن وصل إلى ذلك الاسم المكنون وانكشف له الغطا عنه، فقد تبتل إليه وانقطع عن الخلق واتخذه وكيلا) وعلم عند ذلك الاسم الأعظم، كأنه يفسر الآية (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّل إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) (المزمل:10) .
وكثير من الصوفية يظن أنه يعرف الاسم الأعظم بذلك، وزعم كثيرون أن الملكين ببابل هاروت وماروت الذين يقال أنهما أهبطا إلى الأرض حين عمل بنو آدم المعاصي ليقضيا بين الناس، وألقي الله في قلوبهما شهوة النساء وأمرهما أن لا يزنيا ولا يقتلا ولا يشربا خمرا، وكانا يعلمان الإسم الأعظم ليصعدان به إلى السماء مرة أخري، فجاءتهما امرأة في مسألة لها، فأعجبتهما فأراداها للفحشاء، فأبت عليهما حتى يعلماها الاسم الأعظم الذي يصعدان به إلى السماء، فعلماها إياه، ثم أراداها للفحشاء فأبت عليهما حتى يشربا الخمر، فشربا الخمر وزنيا بالمرأة، ثم خرجا فقتلا رجلا بلا ذنب، فدعت المرأة بهذا الاسم الأعظم، فصعدت إلى السماء ومسخت فخنست فتحولت إلى كوكب خناس، وهو كوكب الزهرة الذي نراه في السماء، وغضب الله تعالى على الملكين فسماهما هاروت وماروت وخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فهما يعلمان الناس ما يفرقون به بين المرء وزوجه، يقولون: إن الذي أنزل على الملكين هو الاسم الأعظم الذي صعدت به المرأة وأصبحت كوكب الزهرة، وما زالت المرأة أو كوكب الزهرة تعلم هذا الاسم للشياطين، وهم يعلمونه لأوليائهم مع السحر، فيتكلمون بكلام يجعل الواحد منهم يطير في الهواء بين الأرض السماء أو يمشي على الماء، يقول ابن كثير: (وأما ما يذكره كثير من المفسرين في قصة هاروت وماروت من أن الزهرة كانت امرأة فراوداها على نفسها فأبت إلا أن يعلماها الاسم الأعظم فعلماها فقالته فرفعت كوكبا إلى السماء فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين) .
والأعجب من ذلك قصة الذي يعلم الاسم الأعظم ثم كفر بالله، قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلبِ إِنْ تَحْمِل عَلَيْهِ يَلهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الأعراف:176) ، ذكر كثير من المفسرين أن هذا الرجل هو بلعام بن باعوراء، وقصته أن قومه طلبوا منه أن يدعوا على موسى ومن معه فأبى، فلم يزالوا به حتى فعل، وكان عنده اسم الله الأعظم، القصة كما يذكرها ابن جرير الطبري في تاريخ الأمم والملوك أن الله بعث يوشع نبيا بعد أن انقضت الأربعون سنة التي ضربت على بني إسرائيل في التيه فدعاهم فأخبرهم أنه نبي، وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبارين فبايعوه، وصدقوه وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له بلعام بن باعوراء وكان عالما يعلم الاسم الأعظم المكتوم فكفر وأتى الجبارين، فقال: لا ترهبوا بني إسرائيل فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوة فيهلكون، فكان عندهم فيما شاء من الأهواء غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساء،