فَقَال؟ يَا أَبَا عَمْرٍو مَا شَأْنُ ثَابِتٍ اشْتَكَي؟ قَال سَعْدٌ: إِنَّهُ لجَارِي يا رسول الله، وَمَا عَلمْتُ لهُ بِشَكْوَى قَال: فَأَتَاهُ سَعْدٌ فَذَكَرَ لهُ قَوْل رَسُول اللهِ صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ فَقَال ثَابِتٌ: أُنْزِلتْ هَذِهِ الآيَةُ وَلقَدْ عَلمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا على رَسُول اللهِ صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ فَأَنَا مِنْ أَهْل النَّارِ، فَذَكَرَ ذَلكَ سَعْدٌ للنَّبِيِّ صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ فَقَال رَسُولُ اللهِ صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ: بَل هُوَ مِنْ أَهْل الجَنَّةِ، فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْل الجَنَّةِ).
الاسم الثالث والسبعون من أسماء الله الحسنى هو اسم الله الحكم، فقد سماه به النبي صلى الله عليه وسلم علي سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا علي الوصفية فيما ثبت عنه في السنة النبوية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه في الحديث الذي رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني من حديث شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ هَانِئٍ أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يَكْنُونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ فَلِمَ تُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِي كِلاَ الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ قَالَ لِي شُرَيْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ اللَّهِ، قَالَ فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ.
فالنص صريح في إثبات الاسم، وقد ورد الوصف الذي دل عيه الاسم في القرآن (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (الرعد:41) وكذلك في قوله: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (الحج:56) وفي قول يعقوب عليه السلام: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (يوسف:67) ، وقد ورد أن الله هو أحكم الحاكمين وليس ضمن حصرنا للأسماء لأنه مقيد بالمقارنة وأفعل التفضيل ونحن كما علمنا من شرطنا الإطلاق، قال تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) (هود:45) ، (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) (التين:8) وقد اعتبره البعض اسما ولكنه في الحقيقة وصفا.
الحكم في اللغة هو الذي يحَكم ويفصل ويقضي في سائر الأمور، فعله يحكم حُكْما وحَكَم له وحكم عليه والحَكَمُ، بفتحتين هو الحاكم وحَكَّمه في ماله تحكِيمًا إذا جعل إليه الحُكْمَ فيه، واحتكموا إلى الحاكم وتَحَاكمُوا بمعنى واحد والمُحاكَمَةُ هي المخاصمة إلى الحاكم، والله عز وجل حكم يحكم في خلقه، وحكمه في خلقه نوعان، حكم يتعلق بالتدبير الكوني وآخر يتعلق بالتدبير الشرعي، فالذي يتعلق بالتدبير الكوني كقوله: (قَال رَبِّ احْكُمْ بِالحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ المُسْتَعَانُ عَلى مَا تَصِفُونَ) (الأنبياء:112) أي افعل ما تنصر به عبادك وتخذل به أعداءك، ومثال الحكم الكوني أيضا: (قُل إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الحُكْمُ إِلا للهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلينَ) (الأنعام:57) ومثال الحكم الكوني أيضا: (وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالذِي أُرْسِلتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ) (الأعراف:87) ، أما الحكم الشرعي فمثاله ما جاء في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ أُحِلتْ لكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلى عَليْكُمْ غَيْرَ مُحِلي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) (المائدة:1) ومثال الحكم الشرعي: (وَمَا اخْتَلفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلى اللهِ ذَلكُمُ اللهُ رَبِّي عَليْهِ تَوَكَّلتُ وَإِليْهِ أُنِيبُ)