فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 248

وعند الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاَةً مِنَ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ وَلِيِّيَ أَبِى وَخَلِيلُ رَبِّى: ثُمَّ قَرَأَ: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِينَ) ، (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) (الأعراف:196) .

الولي في اللغة صيغة من صيغ المبالغة، من اسم الفاعل الوالي، فعله وَلِيَ يَلِي وَلْيا وولاءً وَوِلايةً، والولي في حقنا هو الذي يلي غيره بحيث يكون قريبا منه بلا فاصل نسبي عنه، والقريب يكون في المكان أو النسب أو النسبة، ومنه يطلق الولي على الوالد والناصر والحاكم والسيد، وولاية الله لعباده تعني قربه منهم، فهو أقرب إليهم من حبل الوريد، وهي الولاية العامة التي تقتضي العناية والتدبير وتصريف الأمور والمقادير، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد ِ) (قّ:16) أما الولاية الخاصة فهي ولايته لمؤمنين وقربه منهم وهي ولاية حفظ وعصمة ومحبة ونصرة (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس:63) فالوَلِيّ في أسماء الله هو المُتَوَلي لأُمُور خلقه، القَائِم بأمره علي تدبير ملكه، (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (الحج:65) (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) (الرعد:33) .

واسم الله الولي يدل علي ذات الله وعلي صفة العناية والتدبير بدلالة المطابقة وعلي ذات الله وحدها بالتضمن صفة العناية والتدبير بدلالة التضمن ويدل باللزوم علي الحياة والقيومية والسمع والبصر والمشيئة والقدرة والعدل والحكمة والعزة والرحمة، والسيادة والأحدية والغنى والصمدية وغير ذلك من أوصاف الكمال، واسم الله الولي دل علي صفة من صفات الأفعال.

كيف ندعو الله باسمه الولي دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة كما ورد في قوله تعالى عن يوسف عليه السلام: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف:101) وصح من حديث أنس رضي الله عنه قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا ولي الإسلام وأهلِه مسكني بالإسلام حتى ألقاك عليه) .

أما دعاء العبادة فهو اجتهاد العبد في تحقيق الولاية من جانبه، لأن ولاية المؤمنين لربهم هي ولاية حفظ لحدوده وتوحيده، كقوله تعالي: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ) (الأنعام:14) وقوله أيضا في التحذير من ولاية الأعداء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) (الممتحنة:1) وذلك لا يتم إلا بالإخلاص لله تعالى، والإقبال كلية على أوامره ومفارقة نواهيه، وواجب المؤمنين نحو ربهم ودينهم وإخوانهم القرب والحب والنصرة، لإظهار الدين والتمكين في الأرض، وهذا ما يقتضيه الولاء ظاهرا باطنا، فولي الله حقا هو من توالت طاعاته من غير تخلل معصية، ومن تولي الحق حفظه وحفظ حواسه علي الدوام بتوفيقه وتمكينه وإقداره علي الطاعات وكرائم الإحسان، وعند البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: (إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَي عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَي مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَي بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت