أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (البقرة:267) ولا يبخل على نفسه بالطيب من متع الحياة عملا بقول الله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأعراف:32) وكذلك يتخير من الزوجات أطيبهن فإن الطيبيين للطيبات كما قال تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) (النور:26) ، وأطيب أفعال العبد أن يوحيد الرب في أسمائه وصفاته، وكل ما انفرد به من أفعاله، فإن الله هو أحسن الخالقين الذي أحسن كل شيء في خلقه، وليس ذلك لأحده غيره، فكيف يدعو غير الله أو يعظم أحدا سواه: (أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ) (الصافات:125) .
الاسم السابع والستون من أسماء الله الحسنى هو اسم الله الجميل، فقد سماه به النبي صلى الله عليه وسلم علي سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا علي الوصفية في غير نص من النصوص النبوية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه، كما في صحيح مسلم كتاب الإيمان من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ:(إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ) ، وفي رواية أحمد في مسند عبد الله بن مسعود، فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَيُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي غَسِيلًا وَرَأْسِي دَهِينًا وَشِرَاكُ نَعْلِى جَدِيدًا وَذَكَرَ أَشْيَاءَ حَتَّى ذَكَرَ عِلاَقَةَ سَوْطِهِ أَفَمِنَ الْكِبْرِ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (لاَ ذَاكَ الْجَمَالُ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ سَفِهَ الْحَقَّ وَازْدَرَى النَّاسَ) .
والجميل في اللغة من الجمال هو الحسن في الخلق والخلق، جمل فهو جميل ككرم فهو كريم، وتجمل يعني تزين، وجمله تجميلا زينه، وأجمل الصنيعة عند فلان يعني أحسن إليه، والمجاملة هي المعاملة بالجميل، والتجمل تكلف الجميل، وقد جمل الرجل جمالا فهو جميل، والمرأة جميلة، وقال الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ: وَإِذَا جَمِيلُ الْوَجْهِ لَمْ يَأْتِ الْجَمِيلَ فَمَا جَمَالُهُ: مَا خَيْرُ أَخْلاَقِ الْفَتَى إِلاَّ تُقَاهُ وَاحْتِمَالُهُ، وقوله تعالى: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) (يوسف:18) وقوله: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا) (المعارج:5) الصبر الجميل هو الذي لا شكوى معه ولا جزع فيه، وقوله: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (الحجر:85) ، أعرض عنهم إعراضا لا جزع فيه.
والله عز وجل هو الجميل، جماله سبحانه على أربع مراتب جمال الذات وجمال الصفات وجمال الأفعال وجمال الأسماء فأسماؤه كلها حسنى، و صفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمة ومصلحة، وعدل ورحمة، وأما جمال الذات وكيفية ما هو عليه، فأمر لا يدركه سواه، ولا يعلمه إلا الله، وليس عند المخلوقين منه إلا تعريفات تعرف بها إلي عباده، وعند البخاري ومسلم من حديث أَبِى مُوسَى مرفوعا: (حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ) ، قال ابن عباس رضي الله عنه: (حجب الذات بالصفات وحجب الصفات بالأفعال، فما ظنك بجمال حجب بأوصاف الكمال، وستر بنعوت العظمة والجلال) .
واسم الله الجميل يدل علي ذات الله وعلي صفة الجمال بدلالة المطابقة وعلي ذات الله وحدها بالتضمن وعلى صفة الجمال وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم علي الحياة والقيومية والحسن والعظمة، والعلو والعزة، والإبداع والقدرة، والجلال والقوة وغير ذلك من لوازم الجمال واسم الله الجميل دل علي صفة من صفات الذات والأفعال.