فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 248

كيف ندعو الله باسمه الجميل دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة لم أجد فيه دعاء مأثورا، ولكن يستشهد بما تجمل يعقوب من الصبر في دعائه حيث قال: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) (يوسف:18) (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف:83) وعند البخاري في قول عائشة رضي الله عنها للنبي صلى اله عليه وسلم: (إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ، وَوَقَرَ في أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَبَرِيئَةٌ لاَ تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّى بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلاَّ أَبَا يُوسُفَ إِذْ قَالَ:(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) .

أما دعاء العبادة ففيه يتحلي المسلم بالجمال في ظاهره وباطنه، فظاهره كما ورد في السنة في صحيح الجامع من حديث أبي سعيد مرفوعا: (إن الله تعالى جميل يحب الجمال ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويبغض البؤس والتباؤس) .

أما جمال الجوهر فيأتي قبل جمال المظهر وهو حسن الاعتقاد في الله، وأن الجمال الحقيقي في أن يفهم العبد حقيقة الحياة، فيستعين بالله في كمال العبودية، ويرضي بما قسمه في باب الربوبية، وأن الجلال المطلق إنما هو لله وحده، في أسمائه وصفاته وأفعاله، فالجلال يقوم على ركنين: الركن الأول هو الكمال، والركن الثاني هو الجمال، فالكمال هو بلوغ الوصف أعلاه، والجمال بلوغ الحسن منتهاه، فإذا نظر العبد إلى حكمة الله وانفراده عمن سواه، سيجد أن الله عز وجل إن أعطي الكمال لأحد سواه سلبه شيئا من الجمال وإن أعطي الجمال لأحد سواه سلبه شيئا من الكمال، وإن أعطي الكمال والجمال لأحد سواه سلبه دوام الحال.

فإن كان العبد قد بلغ شيئا من الغني فأصبح كاملا كمالا مقيدا، فليعلم أنه قد يبتلى في الجمال فربما يكون مريضا أو قبيحا دميما أو أميا جاهلا، أو عقيما يشتهي الولد ويتمناه، فهو لا يسعد بماله وغناه، ولا ينعم بلذة الحياة إلا إذا أدرك حكمة الله في انفراده بالكمال والجمال، فيسلم لشرع الله ويؤمن بقدر الله، وربما تجد أيضا من ابتلاءات الله امرأة لها كمال في الخلق والنسب، ولها منزلة في الشرفِ والحسب، وهي أبعد ما يكون عن الخيانة، ومتصفة بالصدق والأمانة، ولكنها من حيث الجمال قبيحة لا تسر الناظرين، دميمة ترعب الخاطبين، وكل ذلك عن تدبير أحكم الحاكمين.

وعلى العكس في الابتلاء، فإن الله إن أعطى الجمال لغيره ابتلاه في شيء من الكمال فربما تجد رجلا عالما ذكيا قويا فتيا، لكنه فقير مهان يبيت جوعان ولا يجد ثوبا يستر الأبدان، أو انظر إلي امرأة جمالها يتغنى به الشبان وقوامها قد لا تراه العينان، لكنها قد تخون زوجها ولا تصون عرضها وهي معرة على أهلها وكل الناس يتمني موتها.

وقد يعطي الله الكمال والجمال لأحد من خلقه لكن يسلبه دوام الحال، كما فعل مع سليمان أعطاه الله الملك والعزة، فكان قويا غنيا، وملكا نبيا، لديه الدنيا بأسرها، وبهجةُ الحياة بأنواعها، وسخرها لله بالطاعة والإيمان، فسليمان عليه السلام أعطاه الله الكمال والجمال لكنه سلبه دوام الحال، لأننا في دار ابتلاء، والموت حكم الله على سائر الأحياء، ولن يبقي إلا الحي الذي لا يموت، فالجلال في أسمائه وصفاته مبني على الكمال والجمال وليس ذلك إلا لرب العزة والجلال، هو الملك الجميل له في ملكه الكمال والجمال، ملكه دائم وهو في ملكه عليم قدير يفعل ما يشاء له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت