فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 248

يَمْنَعُنِي وَأَنْتُمْ أَعْوَانُ الشَّيْطَانِ عَلَي صَاحِبِكُمْ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَفْوٌّ يُحِبُّ الْعَفْوَ، وَلاَ يَنْبَغِي لِوَالِي أَمْرٍ أَنْ يُؤْتَي بِحَدٍّ إِلاَّ أَقَامَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .

العَفُوُّ في اللغة على وزن فَعُولٌ من العَفْوِ، والعفو هو التَّجاوُزُ عن الذنب وتَرْكُ العِقاب عليه، وأَصلُه المَحْوُ والطَّمْس، وهو من صيغ المُبالَغةِ، يقال: عَفا يَعْفُو عَفْوًا، فهو عافٍ وعَفُوٌّ، وكلُّ من اسْتَحقَّ عندك عُقُوبةً فتَرَكْتَها فقد عَفَوْتَ عنه، وعند أبي داود وصححه الألباني من حديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ نَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلاَمَ فَصَمَتَ فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ: (اعْفُوا عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً) ، فالعفو هو ترك الشيء وإزالته، وقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (التوبة:43) أي مَحا اللَّهُ عنكَ هذا الأمر وغفر لك، والعفو مأْخوذ من قولهم عَفَت الرياحُ الآثارَ إِذا دَرَسَتْها ومَحَتْها.

والعفو يأتي أيضا على معني الكثرة والزيادة، فعَفْوُ المالِ هو ما يَفْضُلُ عن النَّفَقة كما في قوله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (البقرة:219) فالعَفْوُ الكثرة والفَضْلُ، وقد أُمِرُوا أَن يُنْفِقوا الفَضْل في بداية الأمر إِلى أَن فُرِضَت الزكاةُ، وعَفا القوم ُ: كَثُرُوا وعَفا النَّبتُ والشَّعَرُ وغيرُه يعني كثُرَ وطالَ، ومنه الأَمَرَ بإِعْفاءِ اللِّحَى، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (احْفُوا الشَّوَارِبَ وَاعْفُوا اللِّحَى) وهذا الحديث رواه أحمد وصححه الألباني، ومعنى إعفاء اللحية أَن يُوفَّر شَعَرُها ويُكَثَّر ولا يُقَص َّ كالشَّوارِبِ من عَفا الشيءُ إِذا كَثُرَ وزاد، وقوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف:199) ، العَفْو هنا هو الفَضْلُ الذي يجِيءُ بغيرِ كُلْفَةٍ، والمعنى اقْبَلِ المَيْسُورَ مِنْ أَخْلاقِ الناسِ ولا تَسْتَقْصِ عليهم، وقد أَمَرَ اللَّهُ نَبيَّه أَن يأْخُذ العَفْوَ من أَخْلاقِ الناسِ، كما ورد عند البخاري من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صلي الله عليه وسلم أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلاَقِ النَّاسِ، والعفو هو السَّهْل المُيَسَّر، أَي أَمرَه أَن يَحْتَمِل أَخْلاقَهُم ويَقْبلَ منها ما سَهُل وتَيَسَّر ولا يسْتَقْصِيَ عليهم.

والله عفو يحب العفو ويصفَحُ عن الذنوبِ ويستر العيوب، يعفو عن المُسيء كَرَمًا وإحسانًا، ويفتح واسع رحمته فضلا وإنعاما حتى يزول اليأس من القلوب وترجوا مقلب القلوب.

واسم الله العفو يدل علي ذات الله وعلي صفة العفو بدلالة المطابقة، وعلي ذات الله وحدها بالتضمن، وعلي صفة العفو بدلالة التضمن، ويدل باللزوم علي الحياة والقيومية، والسمع والبصر، والعلم والمشيئة، واللطف والرحمة، والحلم والقدرة، والعدل والحكمة، وغير ذلك من أوصاف الكمال، واسم الله العفو دل علي صفة من صفات الأفعال، وفي دلالة اسم الله العفو علي الصفة قال تعالى: (وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) (الشورى:25) (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى:30) (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ) (البقرة:52) (فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ) (النساء:153) فالعفو هو المتصف بالعفو.

كيف ندعو الله باسمه العفو دعاء مسألة ودعاء عبادة، دعاء المسألة كما في حديث عَائِشَةَ الذي سبق أَنَّهَا قَالَتْ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَدْعُو قَالَ تَقُولِينَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) ، وورد عند أحمد والترمذي وصححه الشيخ الألباني أن أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ وهو يَخْطُبُ النَّاسَ حِينَ اسْتُخْلِفَ: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم قَامَ عَامَ الأَوَّلِ مَقَامِي هَذَا، وَبَكَي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطَوْا بَعْدَ الْيَقِينِ شَيْئًا خَيْرًا مِنَ الْعَافِيَةِ) ، وعند أبي داود وصححه الألباني من حديث ابْنَ عُمَرَ أنه قال: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت