فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 248

عن أحكام العبيد، وقال تعالى في سورة مريم: (هَل تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) أي هل تعلم له شبيها مناظرا يدانيه أو يساويه أو يرقى إلى سمو ذاته وصفاته وأفعاله، وعلى ذلك فلا يمكن بحال من الأحوال أن نخضع أوصاف الله لما يحكم أوصاف البشر من قوانين.

فمن البلاهة العقلية أن نطبق قوانين الجاذبية الأرضية على استواء الله على عرشه أو على حملة العرش أو على نزوله إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، لأن ذلك ينطبق على الكائنات الأرضية ولا ينطبق على رب البرية، فهو منفرد متوحد عن قوانين البشر بذاته وصفاته وأفعاله، ومعلوم أننا لم نر الله ولم نر له مثيلا أو شبيها أو نظيرا، والشيء لا يعرف إلا برؤيته أو برؤية نظيره، فالله سبحانه وتعالى بعد أن بدأ بالتوحيد أولا في قوله تعالى في سورة الشورى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) اتبع ذلك بإثبات الصفات التي تليق به فقال: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) فالتوحيد يستلزم إثبات الصفات، وهذا هو المناسب للفطرة السليمة، والعقول المستقيمة، وبيان ذلك أن المتوحد المنفرد عن غيره لابد أن ينفرد بشيء يتميز به ويكون هو الوحيد المتصف به أما الذي لا يتميز بشيء عن غيره ولا يوصف بوصف يلفت الأنظار إليه، فهذا لا يكون منفردا ولا متوحدا ولا متميزا عن غيره فمثلا لو قلت: فلان لا نظير له سيقال لك في ماذا؟ تقول: في علمه أو في حكمته أو في غناه أو في ملكه أو في استوائه أو في أي صفة تذكرها، فلا بد من ذكر الوصف الذي يتميز به، لكن من العبث أن يقال لك: فلان لا نظير له في ماذا؟ فتقول: في لا شيء، أو تقول لا صفة له أصلا، فالله وله المثل الأعلى أثبت لنفسه أوصاف الكمال التي انفرد بها دون غيره ونفي عن نفسه أوصاف النقص ليثبت توحده في ذاته وصفاته، فأثبت لنفسه الوحدانية في استوائه فقال في سورة طه: (الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى) ، فاستواؤه له كيفية تليق به لا نعلمها ولا مثيل ولا شبيه له فيها، وأثبت الوحدانية في كلامه فقال في سورة النساء: (وَكَلمَ الله مُوسَى تَكْلِيمًا) فكلامه بكيفية تليق به ليس كمثله شيء فيها ولا علم لنا بها، فمداركنا وإن استوعبت معنى كلامه فإنها لا تستوعب كيفية أداء لكلام، وأثبت لنفسه يدين لا مثيل ولا شبيه له فيهما فقال تعالى في سورة ص: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ العَالِينَ(75) وكذا الحال في سائر الصفات.

والقصد أن السلف يقولون: إن أسماء الله أعلام تدل على ذاته لقوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى) (الإسراء:110) كلها تدل على مسمى واحد، الرحمن الرحيم المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ، الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ الحَكِيمُ، هذه الأسماء مترادفة باعتبار دلالتها على الذات، ومختلفة المعني باعتبار دلالتها على الصفات، لقوله تعالى: (وَلِلهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف:180) فدعاء الله يكون بالوصف الذي تضمنه الاسم، قال الله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) قال ابن القيم: (أسماء الرب تعالى هي أسماء ونعوت، فإنها دالة على صفات كماله، فلا تنافي فيها بين العلمية والوصفية، فالرحمن اسمه تعالى ووصفه، لا تنافي اسميته وصفيته، فمن حيث هو صفة جرى تابعا على اسم الله ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع، ورود الاسم علما، وكذلك فإن الأسماء مشتقة من الصفات، إذ الصفات مصادر الأسماء الحسنى) .

أسأل الله أن يجعلنا من الذين قال فيهم: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ) (الزمر:18) (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الأحزاب:56) والسلام عليكم ورحمة الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت