كبشر، الشخص يكون اسمه سعيد بلا سعادة، سعيد وهو حزين، أو صالح بلا صلاح أو فالح بلا فلاح، أو منصور بلا نصر، وزعموا بذلك أنهم يوحدون الله، فالتوحيد عندهم إثبات الأسماء كأعلام بلا أوصاف، فهم شبهوا الله بخلقه والرب بعبده، وهذا أساس مذهبهم وبنيان عقيدتهم، تعطيل الصفات وردها بحجة التشبيه، ابتدعوا معنى جديدا للتوحيد غير ما عرف بين الصحابة والتابعين وعلماء السلف، وجعلوا أسماء الله الدالة عليها أسماء فارغة من الأوصاف بلا مسمى، فقالوا: هو العليم لكن لا يتصف بصفة العلم، وهو الغنى ويتصف بالغنى لا الفقر، وهو القوى يتصف بصفة القوة لا الضعف، وهو السميع يتصف بصفة السمع تعالى الله عن ضدها، وهكذا في سائر الأسماء والصفات، ولهذا كانت أسماؤه حسنى وعظمى، ولا تكون حسنى وعظمى بغير ذلك، قال تعالى في سورة الأعراف: (وَلِلهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) فدعاء الله بها أن يقول الفقير: يا غنى، اغننى بفضلك عمن سواك، ولولا يقين الداعي الفقير أنه سبحانه غنى ولا نظير له في غناه ما دعاه، وأن يقول الضعيف: يا قوى، قوني، فلولا يقينه أنه سبحانه لا شبيه له في قوته ما دعاه، وهكذا يعلم أصحاب الفطرة السليمة فطرة التوحيد، أن الله يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء بسسب العظمة في أوصافه كما قال في سورة النمل: (أَمَّنْ يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءلَهٌ مَعَ الله قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ) فعلم العقلاء أنه لا يجيب المضطر إذا دعاه وهو عاجز لا صفة له مطلقا، فمن يجير أهل الاعتزال إذا كان معبودهم بلا صفة عندهم، وأسماؤه فارغة بلا معنى مسمى.
وهذا المذهب الخبيث يترتب عليه أن قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) لا قيمة له عندهم، وكذلك تعداد الأسماء الحسنى في قوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ لِلهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنّةَ) لأن تعدد الأسماء الحسنى أو الدعاء بها مبنى على إثبات الصفات التي تضمنتها الأسماء، يقول ابن القيم: (أسماء الله مترادفة بالنظر إلى الذات متباينة بالنظر إلى الصفات وكل اسم منها يدل على الذات الموصوفة بتلك الصفة) .
وأي نقص في حق الله أعظم من أن يكون الله عز وجل لا صفة له عند المعتزلة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، إن الواحد منا لا يقبل هذا على نفسه، فلو قال لك قائل: أنت لا صفة لك عندي، ربما خاصمته دهرا، لأن الفطرة مجبولة على إثبات الأوصاف الحميدة، فمن العجب أن يثبتوا لأنفسهم أجود الأوصاف، وينفون عن الله الذي ليس كمثله شيء سائر أوصاف الكمال، ومن ثم لا بد من الإيمان بأسماء الله وأنها أعلام وأوصاف، فكما آمنا بأسماء الله وأمنا بدلالتها على ذاته كما يليق بجلاله، وعجزنا عن تكييف ذاته ووصف كيفيتها، فكذلك القول في صفاته، فالقول في الصفات كالقول في الذات، سواء بسواء، فلو قال قائل أنا أثبت الأسماء وأنفي الصفة لأنها تدل على التشبيه، أثبت ذاتا لله بأسماء فيفيها لنا فيقول أنا ما رأيت ذاته، نقول ونحن ما رأينا صفاته، وإثبات الصفات لا يدل على التشبيه، فالتوحيد يقصد به في باب الأسماء والصفات، إفراد الله سبحانه وتعالى بذاته وأسمائه وصفاته عن الأقيسة والقواعد والقوانين التي تحكم ذوات المخلوقين وصفاتهم، والدليل على ذلك من القرآن قوله تعالى في سورة الشورى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) فبين سبحانه انفراده عن كل شيء من أوصاف المخلوقين بجميع ما ثبت له من أوصاف الكمال، وقال تعالى في أول سورة الإخلاص: (قل هُوَ الله أَحَدٌ) وقال في نهايتها مبينا معنى الأحدية: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) أي أن الأحد هو المنفرد بأوصاف الكمال الذي لا مثيل له، فنحكم علي كيفية أوصافه من خلاله، ولا يستوي مع سائر الخلق، فيسرى عليه قانون أو قياس أو قواعد تحكمه كما تحكمهم، لأنه المتصف بالتوحيد المنفرد