شأنه: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) (المؤمنون:109) (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأنعام:155) (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات:10) .
واسم الله الرحيم يدل على ذات الله وعلى صفة الرحمة الخاصة بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة الرحمة الخاصة وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية، وعلى الغنى والأحدية، والعزة والصمدية، وكل ما يلزم لقيام وصف من يرحم رحمة خاصة، وما يترتب عليها، واسم الله الرحيم دل على صفة من صفات الفعل لأنها تتعلق بمشيئته.
كيف ندعو الله باسمه الرحيم دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة كما ورد عند أبي داود وصححه الشيخ الألباني أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يدعو: (اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلاَمِ وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُلُوبِنَا وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ مُثْنِينَ بِهَا قَابِلِيهَا وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا) .
وفي الأحاديث التي تقدمت أيضا عند البخاري لما قال النبي لأبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه (قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ، وفي دعاء الرجل الذي قال عنه نبينا صلى الله عليه وسلم قَدْ غُفِرَ لَهُ لما قال: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا اللَّهُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وفي دعاء صلى الله عليه وسلم للميت وهو يصلي عليه: (اللَّهُمَّ إِنَّ فُلاَنَ بْنَ فُلاَنٍ فِي ذِمَّتِكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ فَقِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ وَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ وَالْحَقِّ فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) .
أما دعاء العبادة فهو امتلاء القلب برحمة الولاء ورقة الوفاء التي تدفع إلى حب المؤمنين وبغض الكافرين، وأسوتنا في ذلك هو سيد الخلق أجمعين: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة:128) ، كان النبي بأصحابه رحيما رفيقا حبيبا صديقا، روي البخاري من حديث مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ أنه قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا قَالَ: ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ، وعند مسلم من حديث عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِى خُطْبَتِهِ: (وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ) ، فالطاعة تدفع إلى الرحمة والمغفرة، وتوحيد الله يستوجب الفوز في الآخرة.
أحبتي في الله روي عن على ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: أنه قال إن الدنيا لا يدوم نعيمها ولا تؤمن فجائعها، غرور حائل وشبح زائل، وسند مائل، اتعظوا عباد الله بالعبر، واعتبروا بالآيات والأثر، وازدجروا بالنذر، وانتفعوا بالمواعظ، أتتكم مخالب المنية، وضمكم بيت التراب، ودهمتكم فظائع الأمور، بنفخة الصور، وبعثرة القبور، وسياقة المحشر وموقف الحساب، بإحاطة قدرة الجبار، عباد الله اتقوا الله تقية من قنع فخنع، ووجل فرحل، وحذر فابصر فازدجر، فاحتث طلبا، ونجا هربا، وقدم للمعاد، واستظهر بالزاد، وكفي بالله منتقما وبصيرا، وكفي بالكتاب