فأحببت أن أجيب عن هذا البيان، الذي لا أشك أنه اجتهادٌ لن يخلو صاحبه من أجره (إن شاء الله) ، بأنه لم يتضمن مايدعو إلى تراجع العلماء الذين خالفوه باجتهادهم أيضًا.
ومع الاتفاق على مشروعيّة المقاطعة الاقتصادية، وأنها قد تكون واجبةً في بعض الأحيان، إلا أني أود التذكير بما يلي:
أولًا: لا يخفى أن المقاطعة ليست هي حَدّ المعتدي على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم في المواقف كلها التي اعتُدي فيها عليه صلى الله عليه وسلم، حتى تلك المواقف التي أهدر فيها النبي صلى الله عليه وسلم دمَ المعتدي (مثل كعب بن الأشرف) . وقد كان في قريش من يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت القيان يغنّين بذلك، فما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمقاطعة قريش، بل لما أن وقعت المقاطعة من ثمامة بن أُثال رضي الله عنه، وأقرّها صلى الله عليه وسلم بادي الأمر، أمر بعد استرحام قريش بإنهاء المقاطعة، مع أن المسيئين من قريش لا اعتذروا ولا أقيم عليهم الحد ّ، كعبدالله بن خطل وغيره، حتى قُتل ابنُ خطل بعد ذلك يوم الفتح.
ثانيًا: أن الأصل في حكم المتاجرة مع الكافر الحربي الإباحة، هذا ما عليه الأئمة الأربعة وعامة أهل العلم، بل نقُِل عليه الإجماع، فلا يقال إن دولة الدانمرك لا تجوز المتاجرة معها؛ لأنها إن كانت دولةً محاربةً فالأصل جواز المتاجرة معهم.
فهذان الأمران يبيّنان أن المقاطعة الاقتصادية للدانمرك لا يصح أن يصوّرها أحدٌ وكأنّها حدٌّ من حدود الله تعالى، لا يجوز الاختلاف فيها. وهذا ما لم يتضمّنه بيان العلماء الفضلاء الثلاثة (وفقهم الله تعالى) ، وهم أعلم وأتقى لله تعالى (والله حسيبهم) من أن يقولوا ذلك أو يظنوه.
وإذا كانت المقاطعةُ الإقتصاديةُ مسألةً اجتهاديةً مصلحيّةً، فإن الدعوة إليها أو إلى إنهائها لا يُعَلَّق بحدّ المعتدي ولا بحكم المتاجرة مع الكافر الحربي، وإنما يعلق بالمصالح التي تحقّقُها والمفاسد التي تدفعها، وتقدير هذه المصالح والمفاسد في الوقائع المختلفة والأماكن والأزمنة المختلفة لا تجده مُبيَّنًا على التعيين في كتب الفقه، ولا يُمكن أن يحصل هذا؛ لتباين الأحوال في ذلك بما لا يعلمه إلا الله تعالى بعلمه سبحانه للغيب.
وعلى هذا: فتقدير المصالح المتحققة من المقاطعة، التي هي مناط القول فيها إبرامًا وإنهاءً، يعود إلى أمور وعلوم شرعيّة واقتصادية وسياسيّة، وإلى علمٍ بكل حال وما يصلح له بناءً على ذلك.
ومن ثَمَّ: فبعد أن عرفنا حكم المقاطعة الاقتصادية مع دولة الدانمرك، وهي أنها مسألة خاضعةٌ للمصالح التي تقدرها الدراسة، وأنها ليست واجبًا شرعيًا نفعله تعبّدًا دون مراعاةٍ لمصالحه ومفاسده = فيبقى أن الأولى بإصابة الحق فيها هو الأدرى بأثرها الاقتصادي، والأعرف بواقع الدانمرك والعالم الغربي كُلّه، وبموقع العالم الإسلامي ومكانته من هذا العالم.
والذي ظهر لي من خلال إشرافي على اللجنة العالمية لنصرة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، ومن خلال اطلاعي المباشر على جهود الأخوة العاملين فيها وفي غيرها من الجهات ذات العلاقة، داخل الدانمرك وخارجه، ومن خلال آراء لأصحاب الخبرة الاقتصادية، بل بالعلم الواقعي (غير المبالغ فيه) لأثر هذه المقاطعة، وبعد النظر والمدارسة لمصالح إنهاء المقاطعة من الشركة المتبرئة (دون غيرها) = ترجّح لديّ إنهاء المقاطعة معها، كما كان هذا رأي جماعةٍ من أهل العلم.
وقد بيّنتُ في بيان سابق بعضًا من مسوغات هذا الاجتهاد (الذي سوف أذكره عقب هذا الجواب) ، وما زلت لا أرى ما يدعوني إلى اعتقاد خطأ هذا الاجتهاد.
أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا إلى الحق، وأن يهدي قلوبنا إلى الألفة عليه.
والله أعلم.
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وكتب: الدكتور الشريف حاتم بن عارف العوني
المشرف العام على اللجنة العالمية لنصرة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم
الخميس 15 ربيع الأول 1427 هجرية الموافق 13 أبريل 2006 ميلادية
ــــــــــــــــــــــــــ
بيان حول ما جاء في مؤتمر البحرين
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)