فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 274

واكتساب أخلاقهم التي قوّمها العلم والزمن .. إلى غير ذلك من التعليلات التي يوصي بها أثر ابن مسعود رضي الله عنه حيث يقول: «ولا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، وعن أمنائهم، وعلمائهم، فإذا أخذوه عن صغارهم وشرارهم هلكوا» .

قال ابن قتيبة ـ فيما نقله الخطيب في نصيحته (1) ـ: «يريد لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ، ولم يكن علماؤهم الأحداث؛ لأن الشيخ قد زالت عنه متعة الشباب، وحِدَّته، وعجلته، وسفهه، واستصحب التجربة والخبرة، ولا يدخل عليه في علمه الشبهة، ولا يغلب عليه الهوى، ولا يميل به الطمع، ولا يستزله الشيطان استزلال الحَدَث، فمع السن الوقار والجلالة والهيبة.

والحَدَث قد تدخل عليه هذه الأمور التي أمنت على الشيخ، فإذا دخلت عليه، وأفتى هَلك وأهلك». أ. هـ.

وليس المراد أن يُهجر علم الحَدَث، ويُنبذ، كَلا، وإنما المراد إنزال الناس منازلهم، فَحَقُّ الحدث النابغ أن ينتفع به في المدارسة والمذاكرة والمباحثة .. أما أن يصدر للفتوى، ويكتب إليه بالأسئلة، وتعقد لأجله الحلقات فلا، وألف لا، لأن ذلك قتلٌ له وفتنة. قال الفضيل بن عياض ـ إمام أهل زمانه في الزهد والفضل ـ: «لو رأيتُ رجلًا اجتمع الناس حوله لقلت: هذا مجنون. من الذي اجتمع الناس حوله، لا يحب أن يجود كلامه لهم. وقال أيضًا رحمه الله تعالى: بلغني أن العلماء فيما مضى كانوا إذا تعلموا عملوا، وإذا عملوا شُغلوا، وإذا شُغلوا فُقدوا، وإذا فُقدوا طُلبوا، فإذا طُلبوا هَربوا» (2) .

فيا أيها الطلاب: إذا أردتم العلم من منابعه فهاؤم العلماء الكبار الذين شابت لحاهم ونحلت جسومهم، وذبلت قواهم في طريق العلم والتعليم، الزموهم قبل أن تفقدوهم، واستخرجوا كنوزهم قبل أن توارى معهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.

ــــــــــــــ

(1) ص229 من المجموعة الكمالية.

(2) انظر سير أعلام النبلاء، ج8/ 434.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت