وختامًا لهذه الكلمة أذكر محاورة بين اثنين، تبين قيمة العلم ومكانته العالية، وأنه لا يحصل إلا لمن بذل فيه كل شيء. قال رجل لآخر: بما أدركت العلم؟ فقال: «طلبته فوجدته بعيد المرام، ولا يصاد بالسهام، ولا يرى في المنام، ولا يقسم بالأزلام، ولا يورث عن الآباء والأعمام. فتوسلت إليه بافتراش المدر، واستناد الحجر، وإدمان السَّهر، وكثرة النظر، وإعمال الفكر، ومتابعة السفر، وركوب الخطر، فوجدته شيئًا لا يصلح إلا للغرس، ولا يغرس إلا في النفس، ولا يسقى إلا بالدرس، أرأيت من أشغل نهاره بالجمع، وليله بالنوم، هل يخرج من ذلك فقيهًا؟ كلا والله: إن العلم لا يحصل إلا لمن اعتضد الدفاتر، وحمل المحابر، وقطع القفار، وواصل في الطلب الليل والنهار» (5) .
ولعل في هذه المحاورة الظريفة ما يزيل الصورة المترسبة في أذهان الطلبة: أن العلم ينال في مدة وجيزة، وفترة قصيرة، فيواصلوا جهودهم، ويحتقروا مبذولهم، في طريق العلم والتعلم، حتى يفتح الله عليهم أبواب العلوم والمعارف فيصبحوا قادة أئمة.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
ــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء 10/ 876.
(2) التذكرة للذهبي (ترجمة الشعبي) .
(3) السير 10/ 89.
(4) التذكرة للذهبي (ترجمة مكحول) .
(5) ينظر مقامات بديع الزمان (المقامة العلمية) والزيادات التي هنا من بعض شيوخنا.