فالجواب أن يقال ليس هذا مما نحن فيه فإن هذه الجلسة تسمى جلسة الاستراحة و من اعتمد على الأرض إذا أراد أن يقوم من هذه الجلسة فإنما يعتمد بيديه و هما بحذاء جنبه لا من أمامه فلا يكون متشبهًا بالبعير حال قيامه.
قال العيني في شرح البخاري: فيه بيان الكيفية بأن يجلس أولًا ثم يعتمد ثم يقوم. قال الفقهاء يعتمد كما يعتمد العاجن للخمير.
قلت: و هذا يفعله من تشق عليه المبادرة بالقيام كالشيوخ و من به علة و نحوهم. و قد روي أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يفعل ذلك لما بدن - أي أخذه اللحم -.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري لما ذكر قوله صلى الله عليه و سلم (لا تبادروني بالقيام فإني قد بدنت) قال فدل على أنه يفعلها لهذا السبب فلا تشرع إلا في حق من اتفق له نحو ذلك انتهى.
و مما ذكرنا يعلم أن الاعتماد المنهي عنه في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - هو ما كان فيه تشبه بالبعير عند بروكه و عند قيامه. و ما جاء في حديث مالك بن الحويرث - رضي الله عنه - فهو أن يعتمد بيديه على الأرض و هما بحذاء جنبيه لا من أمامه. و هذا الاعتماد نوع و ما في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - نوع آخر فلا تعارض حينئذ بين الحديثين، و الله أعلم.
التنبيه التاسع
قال المؤلف في صفحة 112: (و كان يرفع يديه مع هذا التكبير أحيانًا - يعني عند الرفع من السجود -) ثم قال المؤلف في الحاشية ما نصه: (و بالرفع ههنا و عند كل تكبيرة قال أحمد) ا. هـ و نحوه في صفحة 115 و حاشيتها، و ظاهر كلام المؤلف في هذين الموضعين أن هذا هو قول أحمد و ليس له قول غيره.
و قد تقدم في التنبيه السابع أن هذا هو أضعف الروايات عن الإمام أحمد، و أن الصحيح عنه الرفع في ثلاثة مواضع لا غير: عند افتتاح الصلاة، و عند الركوع، و عند الرفع منه. و هذا هو الذي حكاه الترمذي عن أحمد و لم يحك عنه غيره. و نقله عنه أيضًا أبو داود، و حنبل. و نقلا أيضًا نصه بخلاف ما قرره الشيخ الألباني في هذين الموضعين. و قد تقدم كل هذا في التنبيه السابع فليراجع
التنبيه العاشر
قال المؤلف في حاشية صفحة 112 نقلًا عن بدائع الفوائد لابن القيم - رحمه الله تعالى - ما نصه: (و نقل عنه ابن الأثرم) ثم قال أيضًا: (قال ابن الأثرم) ا. هـ و لفظ هذا الأخير في البدائع قال ابن أثرم بدون أل.
و الذي يظهر لي و الله أعلم أنه قد وقع في هذا الاسم غلط إما مطبعي و إما من بعض النساخ قبل ذلك إذ لم أر في أصحاب الإمام أحمد من يقال له ابن الأثرم و لا ابن أثرم. و إنما فيهم الأثرم بدون لفظ ابن. و هو لقب: لأبي بكر أحمد بن محمد بن هانئ الطائي. و فيهم أيضًا: أحمد بن أصرم بالصاد المهملة.
فالمنقول عنه ههنا يحتمل أنه الأثرم بدون لفظة ابن و يحتمل أنه ابن أصرم، و أن الصاد أبدلت بالثاء تحريفًا، و الله أعلم.
التنبيه الحادي عشر
في هامش صحفة 126 تعقب الألباني على ابن القيم - رحمه الله تعالى - في قوله تبعًا لشيخه شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - أنه لم يجئ حديث صحيح فيه لفظ إبراهيم و آل إبراهيم معًا - يعني في قوله"كما صليت على إبراهيم و آل إبراهيم، و كما باركت على إبراهيم و آل إبراهيم". ثم تبجح الألباني بإيراد الرواية بذلك، قال: (و هذا في الحقيقة من فوائد هذا الكتاب) - يعني بذلك كتابه إلى آخر كلامه.
و أقول: بل هذا من فوائد كتاب الاختيارات للشيخ علاء الدين المعروف بابن اللحام، و من فوائد فتح الباري للحافظ ابن حجر العسقلاني. أما ابن اللحام فإنه ذكر في باب صفة الصلاة أن شيخ الإسلام أبا العباس - رحمه الله تعالى - قال الأحاديث التي في الصحاح لم أجد في شيء منها:"كما صليت على إبراهيم، و على آل إبراهيم"بل المشهور في أكثر الأحاديث و الطرق لفظ آل إبراهيم، و في بعضها لفظ إبراهيم و روى البيهقي الجمع بين لفظ إبراهيم و آل إبراهيم بإسناد ضعيف عن ابن مسعود. قال ابن اللحام: قلت بل روى البخاري في صحيحه الجمع بينهما.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)