و الثاني حكاه الشيخ أبو حامد عن المزني و قاله غيره أيضا معناه لا يضاف إليك على انفراده، لا يقال يا خالق القرده و الخنازير، و يا رب الشر، و نحو هذا، و إن كان خالق كل شيء، و رب كل شيء، و حينئذ يدخل الشر في العموم.
و الثالث: معناه و الشر لا يصعد إليك إنما يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح.
و الرابع: معناه و الشر ليس شرا بالنسبة إليك فإنك خلقته بحكمة بالغة، و إنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين.
و الخامس: حكاه الخطابي أنه كقولك فلان إلى بني فلان إذا كان عداده فيهم أوصفوه إليهم. انتهى.
و القول الرابع هو الذي قرره ابن القيم - رحمه الله تعالى - كما تقدم في كلامه فإنه قرر أولًا أن الله تعالى خالق الخير و الشر، ثم قرر أن الشر إنما يكون شرًا بالنسبة إلى المخلوقين، و أما بالنسبة إلى الخالق فلا يكون شرًا، لانه لا يضع شيئًا إلا في محله اللائق به، و هذا معنى قوله"لا في خلقه و فعله"يعني أن خلقه و فعله الشر لا يسمى في حقه شرًا لانه تعالى حكيم يضع الأشياء في مواضعها و عدل لا يجور و لا يظلم أحدًا فعلم من هذا أن الشر ليس إليه، و أن خلقه و فعله كله خير، و إن تضرر بذلك بعض المخلوقين، و كان شرًا بالنسبة إليهم.
فإن قيل إن كلام الشيخ الألباني قريب من كلام ابن القيم - رحمه الله تعالى - فما وجه الاعتراض على الألباني؟.
فالجواب أن يقال: إن بين كلام ابن القيم و بين أول كلام الألباني بونًا بعيدًا. أما الألباني فانه نفى أن يكون الشر من أفعال الله تعالى و هذا هو قول القدرية بعينه، و أما ابن القيم - رحمه الله تعالى - فانه أثبت أن الله تعالى خالق الخير و الشر، ثم نزه أفعال الرب تبارك و تعالى عن الاتصاف بوصف الشر، لانه تعالى لا يضع شيئًا إلا في موضعه اللائق به، و ذلك عدل منه تعالى و ليس شرًا بالنسبة إليه، و هذا من أقوال أهل الحق.
و لو أن الشيخ الألباني قال: إن الشر لا ينسب إلى الله تعالى لانه ليس في فعله تبارك و تعالى شر أي بالنسبة إليه لسلم من الاعتراض و لكان قوله موافقًا لقول ابن القيم - رحمه الله تعالى - و الله سبحانه و تعالى أعلم.
ثم إن قول الألباني: و الشر ليس إليك إنما صار شرًا لانقطاع نسبته و اضافته إلى الله تعالى بالكلية فلا يقال إنه خالق الشر و لا انه يفعل الشر بأحد من خلقه. و هذا هو قول القدرية بعينه. و الذي اتفق عليه أهل السنة و الجماعة أن الله تعالى خالق الشر كما أنه خالق الخير، و أنه يفعل بمن شاء خيرًا، و بمن شاء شرًا، فالأمران معًا مضافان إليه خلقًا و إيجادًا كما قال تعالى (و نبلوكم بالشر و الخير فتنة) و غيرها من الآيات التي تقدم ذكرها.
و إنما كان أهل السنة و الجماعة يعدلون عن نسبة الشر و إضافته إلى الله تعالى على وجه الأدب في العبارة لا على أنه منقطع النسبة و الإضافة إلى الله بالكلية. و من تدبر ما قرره الشيخ الألباني في أثناء كلامه لم يشك في حسن عقيدته في باب القدر، و ما وقع في أول كلامه و آخره فذلك خطأ في العبارة و قل أن يسلم من الخطأ أحد من البشر.
و الله المسئول أن يوفقنا و إياه و جميع المسلمين لما يحب و يرضى من الأقوال و الأعمال، و أن يسلك بالجميع سبيل السلف الصالح من الصحابة و التابعين لهم بإحسان إن ربي لسميع الدعاء قريب مجيب.
التنبيه الرابع
الرابع قال المؤلف في صفحة 82 ما نصه (صلاة الجنازة السنة أن يقرأ فيها بفاتحة الكتاب و سورة) ا. هـ. ثم ذكره في الحاشية أنه رواه البخاري و أبو داود و النسائي. و هذا فيه إيهام فان رواية البخاري و أبي داود ليس فيها ذكر السورة و إنما ذلك في إحدى روايتي النسائي، و هو ما رواه: عن الهيثم بن أيوب، قال: حدثنا إبراهيم و هو ابن سعد، قال: حدثنا أبي، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: صليت خلف ابن عباس رضي الله عنهما على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب و سورة و جهر حتى أسمعنا فلما فرغ أخذت بيده، فسألته، فقال:"سنة و حق".
و قد رواه الإمام الشافعي في مسنده بدون ذكر السورة فقال: أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: صليت خلف ابن عباس رضي الله عنهما على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب فلما سلم سألته عن ذلك، فقال:"سنة و حق". إسناده صحيح على شرط البخاري.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)