وقال عز وجل: [لَيْسَ البِرَّ أََن تُوَلُّوا وجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقََابِ وَأََقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البًََاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البًَاسِ أُوْلَئِكَ الَذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ] [البقرة: 177] .
ومن هنا أثنى الله على أولي العزم من الرسل فوصفم بصفات أخلاقية، كما قال عن نوح: [إنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا] [الإسراء: 3] .
وقال عن إبراهيم الخليل: [وَإبْرَاهِيمَ الَذِي وَفَّى] [النجم: 37] .
وخاطب خاتم رسله محمدًا بقوله: [وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] [القلم: 4] .
ولا غرو أن قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) [2] .
ولقد ذكر الإمام ابن القيم في (مدارج السالكين) ما نقله الكتاني عمن قبله أنهم قالوا: التصوف هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف [3]
وعلق على ذلك ابن القيم بقوله: (بل الدين كله هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق، فقد زاد عليك في الدين) [4] .
وقد عرّف بعضهم التصوف فقال: هو الصدق مع الحق، والخُلُقُ مع الخَلْق.
ولا يخفى أن الصدق خلق أيضًا، فقد أصبح التصوف كله خلقًا. بل هذا هو الدين كله: أن تكون مع الله بالصدق، ومع الناس بحسن الخُلُق.
أو أن تكون كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مع الله بالتقوى، ومع الناس بالإحسان، كما يشير إليه قوله تعالى: [إنَّ اللَّهَ مَعَ الَذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون] [النحل: 128] .
وفي ضوء هذه المفاهيم الإسلامية الصحيحة يجب أن يُفهم معنى قولي: إن الإسلام رسالة أخلاقية في الدرجة الأولى، فأنا أُدخِل في هذا المفهوم: العقائد والعبادات وعمل الصالحات والدعوة إلى الله تعالى، والجهاد في سبيله. وقديمًا قال علماؤنا: لا مشاحّة في الاصطلاح.
معركتنا مع اليهود:
ثانيًا: علق الأخ الشباني على قولي: إن معركتنا مع اليهود ليست من أجل العقيدة، بل من أجل الأرض التي اغتصبوها، والحرمات التي انتهكوها، والدماء التي سفكوها. وقال: إنها تحتمل معنى صحيحًا لا غبار عليه، وهو أن صراعنا مع اليهود في هذه المرحلة من أجل أرض فلسطين. وإذا كان هذا المعنى الصحيح محتملًا، فلماذا نفترض المعنى الآخر؟
والذي جعلني أقول هذا القول: أن اليهود يشيعون في أنحاء العالم أنهم جنس مضطهد مجني عليه، مظلوم من الناس كافة، وأن اضطهاده إنما هو من أجل عقيدته وعنصره، أي لأنهم يهود، ولأنهم ساميون. ولذا نراهم يتاجرون بمعاداة السامية.
ونحن نريد أن نقول لهم: إننا لم نحاربكم من أجل عقيدتكم اليهودية، ولا عنصريتكم السامية [5] ، فنحن المسلمين نعتبركم أهل كتاب، حتى إن القرآن أباح مؤاكلتكم ومصاهرتكم، ونحن العربَ ساميون مثلكم، فأنتم أبناء عمومتنا. وبذلك
نبطل الدعوى التي يتشدقون بها ويستدرّون بها عطف الأمم كافة عليهم.
على أني إذا قلت: إن المعركة من أجل الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، فهذا لا ينفي الطابع الديني عن المعركة؛ لأنها معركة (في سبيل الله) يقينًا، معركة دفاع عن الحق والأرض والعرض والشرف والدين، وكل المقدسات. وكل معركة يخوضها المسلم دفاعًا عن أرضه وحرماته هي معركة دينية؛ لأنها في سبيل الله لا في سبيل الطاغوت، وقد قال تعالى: [الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ] [النساء: 76] .
فكيف إذا كانت الأرض التي يدافع عنها المسلم تتميز بأنها أولى القبلتين، وبها ثالث المسجدين المعظمين، وهي أرض الإسراء والمعراج، وأرض النبوات والبركات، وأرض الرباط والجهاد؟ أجل، إنها معركة تحرير القدس وإنقاذ الأقصى؟!
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)