أحدهما: أن الصفاء المذكور في هذه الدرجة لما انطوت في حكمه الوسائط والأسباب، واندرج فيه (24) حظ العبودية في حق الربوبية: انطوت فيه (25) رؤية كون العبادة تكليفًا؛ فإن رؤيتها تكليفًا خسة من الرائي (26) ، لأنه رآها بعين أنَفَته وقيامه بها، ولم يرها بعين الحقيقة؛ فإنه لم يصل إلى مقام (فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي) (27) ، ولو وصل إلى ذلك لرآها بعين الحقيقة، ولا خسة فيها هناك ألبتة؛ فإن نظره قد تعدى من قيامه بها إلى قيامها بالقيوم الذي قام به كل شيئ؛ فكان لها وجهان: أحدهما هي به خسيسة وهو وجه قيامها بالعبد وصدورها منه (28) ، والثاني هي به (29) شريفة وهو وجه كونها بالرب تعالى وأوليته أمرًا وتكوينًا وإعانة (30) فالصفاء يطويها من ذلك الوجه خاصة (31) .. والمعنى الثاني الذي يحتمله كلامه أن يكون مراده أن الصفاء يُشهده عين الأزل (32) ، وسَبْقَ الرب تعالى، وأوَّليته لكل شيئ؛ فتنطوي في هذا المشهد أعماله التي عملها، ويراها خسيسة جدًا بالنسبة إلى عين الأزل؛ فكأنه قال: (تنطوي أعماله، وتصير بالنسبة إلى هذه العين خسيسة جدًا لا تذكر(33) .. بل تكون في عين الأزل هباء منثورًا لا حاصل لها (34) ؛ فإن الوقت الذي هو طرف التكليف يتلاشى جدًا بالنسبة إلى الأزل، وهو وقت خسيس حقير (35) حتى كأنه حاصل له، ولا نسبة له إلى الأزل والأبد في مقدار الأعمال الواقعة فيه، وهي يسيرة بالنسبة إلى مجموع ذلك الوقت الذي هو يسير جدًا بالنسبة إلى مجموع الزمان الذي هو يسير جدًا بالنسبة إلى عين الأزل؛ فهذا أقرب ما يُحمل عليه كلامه مع قلقه، وقد اعتراه فيه سوء تعبير، وكأنه أطلق عليها الخسة لقلتها وخفتها بالنسبة إلى عظمة المكلِّف بها سبحانه وما يستحقه (والله سبحانه أعلم ) ) (36) .
قال أبوعبدالرحمن: يا بعض مشايخي في مملكتنا الحبيبة .. يامن تسيئون الظن بمن نقد شيئًا من كلام ابن قيم الجوزية أو شيخه ابن تيمية في شيئ من العقيدة أو الأصول أو الأحكام العملية: كونوا على مقالتكم: (الحق يُعرف ببرهان المقال لا بأحوال الرجال) ، وانتفعوا بقول ابن قيم الجوزية رحمه الله الذي مضى آنفًا: (ولكن أبى الله أن يكون الكمال إلا له) ، وابن تيمية وابن قيم الجوزية وابن حزم وغيرهم رحمهم الله داخلون في معنى هذا القول؛ فلا يحملنكم كثرة خيرهما وصوابهما وعبادتهما وجهادهما على التسليم لهما بكل قول؛ فتدَّعون لهما العصمة وأنتم لا تشعرون .. يامن تُضللون أحيانًا من خالف ابن تيمية وابن قيم الجوزية رحمهما الله تعالى، أو خالفهما من أذكياء العلماء ومن أهل التخصص: اعلموا حفظكم الله أن ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمهما الله يخالفون تارة أو يخالفهما مَن كان البرهانُ في جانبه يقينًا أو رُجحانًا كمتابعتهما لإمام السلف الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى، ولكن إمامته للمنتسبين للسلف في زمنه ومن جاء بعدهم، وكلهم محكومون بالسلف قَبْلهم .. إنها مُتابعة بغير تدقيق في الحكم بأن من توقَّف في القول بأن القرآن غير مخلوق واقفي مُنْتَقَد .. مع أن الحق تضليل من قال: (القرآن مخلوق) ، وتضليل من قال أيضا (القرآن غير مخلوق) ؛ لأنه ينفى المعنى الآخر من معنيين لا يحتمل العقل والحس والشرع غيرهما؛ فوجب التوقُّف، وكيف لا يتوقَّف من لا يجد نّصًا في المسألة؟ .. بل وُجِدَ الإمام أحمد رحمه الله تعالى بعد أحداث الجعد بن درهم مقالته مسبوقًا بإجماع السلف على ترك الخوض في المسألة، والتحريمِ للقَفْوِ بغير علم؛ فمن جاء ببرهان على تعيُّنِ أحد الطرفين قبلتُ منه وأنفي راغم .. ومن ذلك جَزْمُ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الأسباط ذرية يعقوب عليه السلام بإطلاق، والصواب أن الأسباط يراد بهم ذرية يعقوب عليه السلام في موضع، ويراد بهم في موضع آخر الرسل والأنبياء من ذرية إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام .. والأسباط وقت التنزيل للذكور من الذرية وذريتهم، ثم خَصَّص العرفُ اللغوي بعد التنزيل السبطَ لأبناء البنت مهما نزلوا، وكإنكارهما المجاز بإطلاق، وكاتباعهما للإمام أحمد وإسحاق رحمهما الله بأن الله خلق آدم على صورة الرحمن بلا تدقيق، وهو مخالف لبراهين أذكياء العلماء ومنهم ابن خزيمة رحمهم الله تعالى، وهو عندهما إمام الأئمة، ومخالف لإجماع السلف أن الله ليس كمثله شيئ، والرواية الشاذة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)