وكان في الحاضرين"طرقي"قديم، قد انظم إلى المصلحين أخيرًا، فقال: وأنا الآخر كنت طرقيا، وكنت متعصبًا عنيدًا، لا أحب إلا طريقتي وإخواني فيها، وكنت أحمل كراهية شديدة لأتباع الطرق الأخرى، الذين ليسوا"إخواني في الشيخ"!!، وكل إخواني في الطريق يبغضون من لا يكون على طريقتهم، ويستدلون لهذه البغضاء التي يحملونها لإخوانهم المسلمين بقوله تعالى: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} [آل عمران:73] ويعتقدون أن هذه الآية الكريمة، إنما تحثك على أن تحب أخاك في الطريق، وتحثك على أن تقاطع المقاطعة التامة كل من لا يكون معك على دينك أي على محبة الشيخ!! وأنا نفسي ما فهمت هذه الآية على وجهها إلا بعد أن حضرت درسًا لعالم من هؤلاء العلماء المصلحين، فقد سمعته ينهى عن بغض الغير وعن كراهيته لمجرد أنه يخالفك في الدين أو العقيدة، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {وقالت طائفة من أهل الكتب ءامنوا بالذي أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار واكفروا ءاخره، لعلهم يرجعون (72) ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} [آل عمران:72 - 73] ، وهنا فقط عرفت أن إخواني في الطريق قد حرفوا هذه الآية الكريمة عن موضعها، وأن طائفة من أهل الكتاب هم الذين يتواصلون بكراهية الغير وبغض من لا يتبع دينهم فيما حكى الله عنهم بقوله: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} [آل عمران:73] ، وقد رد عليهم الله تعالى هذا القول فقال: {قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} [آل عمران:73] ، وهكذا كثير من الآيات تكون في الحث على الخير ولكننا نفهمها على عكس المراد.
[بطلان صلاة الخليقة بمخالفة تعاليم الطريقة!!]
وكان من كراهيتنا لأتباع الطرق الأخرى، أننا لا ننزل ضيوفًا إلا على من تبع ديننا (طريقتنا) ، ولا نكرم ضيوفًا لا يكونون على طريقتنا، ولا نجتمع معهم في حلقة ذكر، وأذكر أن رجلا كان أخانا من الشيخ، له مكانة بيننا وكنا نحبه ونحترمه، وما هي إلا أن أخبرنا أحدنا بأنه رآه في بلدة أخرى، في حلقة ذكر لطائفة أخرى، حتى كرهناه وهجرناه، وأخبرنا سيدنا به وبما فعلنا، فقال، نعم ما فعلتم، لا تتساهلوا فيمن يخل بشيء من آداب الطريق، ولا تخالطوا من يفسد عليكم نيتكم في الشيخ، ولا تصلوا وراءهم، وكل من صلى منكم وراء إمام ليس على طريقتنا، ولا يجتمع معنا على محبة الشيخ، فصلاته باطلة تجب عليه إعادتها!!
[شرط صحة النكاح، اعتناق طريقة الأشباح]
وسأل رجل وقال: يا سيدنا إني أريد أن أستشيرك في أمر يهمني، قال وما هو؟ قال: إن ابني قد كبر، وأردنا أن نزوجه، وخطبنا له كريمة فلان إلى أبيها، فوعدنا خيرًا، ولكنها من بنات طريقة أخرى لا من بنات طريقتنا، وهي فتاة من الفتيات الصالحات، فقال له سيده: وكيف تكون صالحة، وهي ليست من بنات طريقتنا؟ ولم تدخل زاويتنا قط!!،فقال الرجل: عسى الله أن يهديها فتعتنق طريقتنا، وتزور زاوية سيدنا، فقال له سيده: اشترطوا عليها أن تترك طريقتها إلى طريقتنا، فإذا رضيت بهذا الشرط فذلك ما كنا نبغي، وإلا فلا تعزموا عقدة النكاح.
وتكلم له رجل وقال: يا سيدي، إن الآنسة فلانة، التي توفي عنها أبوها أخيرًا، وكانت من بنات طريقتنا، قد أعجب بها فتى ليس منا، فأبت أن تقبله لها بعلًا حتى يترك طريقته إلى طريقتنا، وقد تزوجها على هذا الشرط وأصبح أخًا لنا في الشيخ، فقال سيدنا: أحسنت هذه الآنسة، وهي محبة في الشيخ، وإن عملها هذا هو من الصالحات، ومن أفضل ما يقربها إلى الله زلفى، ففرحنا نحن بها، وصرنا نسميها"سكينة"تشبيهًا لها بسيدتنا سكينة بنت زين العابدين رضي الله عنها.
[رحم الطريقة أولى من رحم القرابة]
قال الراوي: ولا أكتمكم، أنه قد يكون بيني وبين الرجل صلة القربى، وقد تجمعني به الروابط والصلات، وقد يكون مهذبًا ولكني لم أكن أثق به ولا أطمئن إليه، لا لشيء سوى أنه لا يرافقني في الطريق!! وقد يكون الرجل لا قرابة بيني وبينه، وليس بيننا أية صلة أخرى، ولكني أثق به وأطمئن إليه، و أشعر نحوه بحب شديد لا لشيء سوى أنه أخي من الشيخ، هذا هو ما كان يوصينا به أسيادنا ورؤساء طريقتنا جميعًا.
[بين حب اليهود وبغض القراميط]
وكان اليهود في بعض نواحي الصحراء، قد دخلوا هم أيضًا في الطرق الصوفية، من غير أن يدخلوا في الإسلام، وكان قد اعتنق طريقتنا منهم عدد غير قليل، فجعل سيدنا عليهم (مقدما) يهوديًا منهم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)