وأنه أنعش مقوماتنا الخاصة، وتاريخنا وكياننا المادى الأدبى، واستعاد ماسرقه الاستعمار من هذه الأمجاد. وشىء آخر أقوله: إن هذه القومية العربية ستحرر الكنيسة الشرقية من تأثرات التوجيه الغربى المشوب. وتمكن المسلمين - كذلك - أن يعملوا بدينهم، وأن يحيوا وفق نظمه، وأن يعيدوا إليه المكانة التى اجتهد الاستعمار في إسقاطها، أو التى خلق أجيالا لا تعترف بها. إنما تنطلق العروبة إلى غايتها الرفيعة برجالها الأصلاء، ورجالها الفاقهين لحقيقتها المتجاوبين مع طبيعتها. اللابسين إشاراتها عن صدق واقتناع. ونحن قد يتملكنا الضحك الساخر حين نجد في موكب العروبة نفرآ من الناس يزعقون وينعقون دون وعى أو دون إخلاص! لقد بوغتوا باسم القومية العربية، فإذا هم يمثلون في نصرتها الدور الذى مثلوه في نصرة غيرها أيام العهود السابقة. إن هناك صحافيين - لا تنقصهم القحة - حيوا فاروق أجمل تحية، ثم حيوا من بعده جمال عبد الناصر. ومنهم من هزأ بالعروبة وجامعتها، دعا إلى المصرية الخالصة. وهو- الأن- بادى الحماس في تأييد القومية وتحية أبطالها. وقد يكون في المجال متسع للمنافقين والمخلصين على سواء مادام العمل صحيحا. ونيات الناس إلى الله بعدئذ. فهو سبحانه الذى يجزيهم بما في قلوبهم. هذا حق، وليس لنا أن نتدخل في مكنونات السرائر. لكن الذى نخشاه، ونحذر منه، ونتوجس من عقباه على مستقبلنا، ذلكم الصنف من الناس الذى لا يعرف من العروبة شيئا قط إلا طنينا يزعج آذانه أو يحرك لسانه. أما هو، فإنسان خلقه الاستعمار القديم خلقا. ملأ أقطار نفسه وحسه، وشحنه بقوى معينة فهو يدور بها وحدها كما تدور لعبة الطفل بعد ما يملأ آلاتها، ثم تسكن بعد فراغها. كيف يكون عربيا هذا المرء الذى انسلخ من طبيعته وماضيه وقومه الأولين ولغته العريقة فهو لا يبدى رأيا في شئ إلا كما علمه الأجانب؟! ص _010