فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 253

العكوف على اللذائذ، ومطاوعة الأهواء، وإجابة الرغبات الدنيا، أمراض تصيب الأمم في عصور الانحلال وتعرضها للهلكة، فهى نذر الفناء ودلائل إدبار السيادة. ولقد لوحظ من استقراء التاريخ أن الحضارات الكبرى لم يقتلها إلا الترف، وأن الأمم العظيمة لم يهلكها إلا البطر، وأن ترك الناس يرتعون في الشهوات رتع السوائم لن يجر في أعقابه إلا البوار العاجل (ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) . لذلك حرص أولوا النهى أن تشيع في الجماهير أخلاق الجندية، وتقاليد الخشونة وأن يتعلموا أخذ الحياة من جوانبها الصارمة، ونواحيها الجادة. كما اجتهدوا أن يبتروا من المجتمع مظاهر الاسترخاء والتخنث، وأن يمنعوا استرسال النفوس مع أسباب اللهو والعبث. فإن شباب الأمة يتجدد ما بقيت تحترم العمل، وتتحمل التعب، وتصدف عن المعاصى، وتعاف الغرام بصنوف المتع ولو كان من الحلال. فكيف لو جاءت من الحرام؟ إن هناك خلالا من الطراوة تفقد الأمم عافيتها لو تسربت إليها. وإذا كنا الآن في فترة بناء لتاريخنا الحديث وعهدنا الجديد .. فيجب أن نسد الأبواب أمام هذه الخلال المبيدة، وأن نصد أصحابها عن المضى في غوايتهم .. حتى نحتفظ بحياتنا، ونصون مستقبلنا. ولا شك أن ألد أعدائنا. وأخطر الناس على نهضتنا. أولئك الذين يزينون الرذائل للشبان، ويهيجون لدمائهم حب الجريمة، ويصورون الحياة لهم على أنها غرائز يجب إشباعها، وفرص يجب انتهازها، وحرية ليس عليها قيد، وانطلاق لا يهدأ عند حد .. فمن للمشقات بعدئذ يحملها؟ ومن للتضحيات يقدمها؟ ومن للمروءات يصنعها؟ ص _233

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت