إن إعادة بناء الأمة الإسلامية مرة أخرى بعد ما خرب الاستعمار عامرها وتجفف غامرها أمر يحتاج إلى جهود مضنية. وليست الإعادة المنشودة شق شوارع تقوم القصور المنيفة على أكنانها، ولا تجميل شواطئ الأ نهار والبحار وبث الأرائك المريحة حولها. كلا .. ولا هى نقل المصانع والآلات وتشغيل ألوف العمال فيها. إن ذلك - وإن مست إليه الحاجة - لا يعنى بناء أمة تنفع نفسها إذا كان الغزو الأجنبى قد نجح في تخدير أعصابها وإماتة ضمائرها واستلال اليقين من أفئدتها والهدف العالى من ضمائرها .. ذلك أن الأم تفتقر قبل كل شئ إلى العقيدة التى توقد نشاطها، والغاية التى تكدح لبلوغها، والحداء الذى يهون عليها مصاعب الطريق، والعزاء الذى يصبرها على لأواء الحياة. فإذا جفت هذه المعانى في أمة لم يغن عنها شىء ما، وهى صائرة حتما إلى إدبار! إننى عندما أرى دبابة تسير في الميدان يعجبنى هيكلها المتين وبناؤها الحصين، وأنظر إلى هذا الحديد المتشابك المتراكب وهو يتهادى وئيدا شديدا يطحن أمامه الصخر ويقذف باللهب فأقول: ما أروع هذا البرج وما أسرع فتكه في أجسام العدا. لكنى - وأنا أهمس بهذه الكلمات - يعاجلنى شعور آخر بالتريث والاسترخاء: إن المهم في قائد الدبابة، لا الدبابة نفسها. إن مصير المعركة معلق بالرجال الذين يملأونها، ووثاقة إيمانهم ورباطة جأشهم وطول صبرهم وبشاشة رجائهم ... إن ذلك هو اللبنة الأولى في النصر. وعندما كنت أرى أبنية قصر العينى في القاهرة وألمح الأدوات والاستعدادات لمداواة المرضى، تأخذنى الدهشة لضخامة هذا المستشفى ورحابة غرفه وكثرتها. ووفرة وسائل التمريض وأسباب الشفاء، ثم وذلك الجيش الكثيف من الأطباء والأعوان والخدم، وذلك المدد الدافق من النفقات المبذولة والمطالب الميسرة. ومع هذا المظهر المطمئن فإن الفؤاد لم يكذب إذا أبدى قلقه وأسر وجله. ص _122