كان بالنا - نحن المسلمين - خاليا حين استقبلنا هذا العصر. وكان تفكيرنا قريبا، وأخذنا للأمور من أيسر جوانبها. وصحيح أننا وجدنا الأوربيين جاسوا خلال ديارنا ووضعوا أيديهم على مقاليدها وغصبونا كثيرا من الحريات والحقوق التى تقررها الفطرة لنا. بيد أن ذلك - كما فهمنا بادى الرأى - كان غلب القوى على الضعيف. وللغلب المادى منطق حيوانى يؤذى المشاعر، ولكن علاجه قصير، والخلاص منه تقرره جولة أو جولتان. لم تكن المشاعر التى صرفت الناس في القرون الوسطى تمر بأذهاننا. أعنى: لم تكن الخصومة بسبب الدين مظنة الجور علينا واحتلال أرضنا. كذلك كنا نفكر .. حتى صحونا من منامنا، أو استفقنا من بلاهتنا، فوجدنا الأوربيين الغزاة يطوون أفئدتهم على جميع المشاعر التى حركت أسلافهم الأقدمين حين حاربونا باسم"الصليب"زهاء قرنين من الزمان. إنهم هم هم، بغضاؤهم للإسلام لم تنقص، بل ظلت في نماء، وسخطهم على أهله لا تزيده الليالى إلا ضراما. كل ما أفادوه من تقدم علمى في إبان غفوتنا الأخيرة، أنهم غيروا الوسائل وأضافوا إليها مقدارا أكبر من الختل والخبث، وطوروا السلاح ليجعلوه أشد فتكا وأوسع هلكا. ثم حشدوا كل ما لديهم ليجهزوا - في سكون أو ضجيج - على الكتاب والسنة، أى على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم عدوهم الألد. ثم ليمزقوا أمته شر ممزق، فيسلطوا عليها من صنوف البلاء ما يجعلها تتعثر في طلب النجاة دون جدوى. إن الأمة الإسلامية ظلت دهرا، وهى في نظر الغرب لا يعترف لها بكيان أدبى ولا تتوارث الأجيال غير كراهيتها والسطو عليها. صحيح أنه قام الآن بناء للأمم المتحدة يسوى في عنوانه بين أهل الأرض. ص _092