كثر الحديث بين المثقفين عن أضرار"الكبت". وأخذ المشتغلون بشئون التربية يعالجون علل الأجيال الحديثة على أن"الكبت"سبب مانرى بها من انحراف. ثم استقر الرأى - أو كاد - على أن محاربة الكبت لابد منها لبناء مجتمع سليم، وإيجاد حياة بعيدة عن العُقد والالتواءات.! ونحن نريد أن نناقش هذا الكلام، وأن نتعرف الحدود التى ينتهى إليها، والمعانى التى تكمن فيه. إن الكبت هو حبس الرغبات التى تجيش في النفس، وإيصاد المنافذ أمامها حتى لا تجد متنفسا تخرج منه. ولاشك أن كف النفس عما تهوى أمر يصعب عليها وتحس معه العَنَت! فكيف تعالج هذه الحال؟ أتعالج بإرخاء العنان لها وإجابتها إلى كل ما تريد؟ يبدو أن ذلك هدف بعض الناس! فالأسلوب المقبول لديهم فى"التربية"ترك النفوس على سجيتها، ومنح الغرائز حرية السكون والحركة لتخط لنفسها المسلك الذى تحب دون حذر أو ضغط أو اعتراض .. !! ولا يسعنا إلا أن نتساءل: إذا كان هذا برنامج"التربية"الرشيدة فما يكون برنامج"قلة التربية"؟ إن علماء النفس عندما شرحوا ناحية السلوك في الغرائز الإنسانية قالوا:"يمكن أن يغير مجرى الغريزة في نزوعها الأخير، إما بالتسامى، أو بالتعديل، أو بالكبت". ويقصدون ب-"التسامى"ربط الغرائز بمثل عليا تهيج لها وحدها وتخمد عند فقدانها. ويقصد ب-"التعديل"إشباع الغريزة بمظهر فيه العوض عما تبغى لأن حاجتها الأصيلة لا يمكن قضاؤها. فإن عزر هذا وذاك فليس إلا"الكبت"... ص _244