فكرت مليا في النزاع القديم المطرد بين النصرانية والإسلام .. ووددت لو استقرت العلاقة بين الدينين على دعائم إنسانية أرقى وأرق. وتساءلت: أما من خطة قاصدة راشدة تتيح لأتباعهما أن يعيشوا أصفياء أنقياء وإن اختلفت عقائدهما؟ أما من خطة قاصدة راشدة تتيح لمبادئهما أن تلتقى في ميادين الحياة دون صدام يقدح الشرر، ويلقح الحروب؟ أما من خطة قاصدة راشدة تنصف رسالات السماء وتشرف الضمير الدينى، وتنفث في روع الناس أن الذين ينسبون أنفسهم إلى الله أصحاب سلوك يستحق الاحترام والإعجاب؟ لست جانحا إلى الخيال في هذا التمنى، ولا بعيدا عن الواقع. أنا أعلم أن هناك نوعا من التهجم للدين كله يجمع بين أقوام بعضهم مسلمين وبعضهم نصارى- حسب تسمياتهم الموروثة- ويجعلهم مواطنين معتدلين. لكن هذا التجمع في ظلال الانحلال وقلة الاكتراث بحقيقة الإيمان لا قيمة له عندى. فالفراغ النفسى الذى يضم في دائرته ألوف الناس ويشغلهم بأمر القوت وحده، ويجعل ماعدا ذلك نافلة ساقطة الاعتبار- هذا الفراغ شر، يساوى أو يربو على شرور التعصب الأعمى. بل قد يكون التمسك الحاد بدين ما أجدى من الانصراف المطلق عن الأديان كلها. إنني أبتغى خطة تجمع- على السماحة والمياسرة- بين مسلم يرى أنه موصول بالله على أهدى طريق، ونصرانى يرى أنه يعرف الحق الذى جهله الآخرون ... ومع ذلك البعد في وجهات النظر فكلاهما ينأى في معاشرته للآخر عن الغدر والختل والبغضاء والشحناء. بل كلاهما يقيم معاملته لصاحبه على الود والعدل، ويتمنى له التوفيق والخير ... ! ص _015