وفى المعاملات العامة بين الناس كثيرا ما نفصل بين عواطفنا بإزاء شخص معين وبين حكمنا على أفكاره ومعارفه ... فنقول: فلان يعتقد كذا وكذا من الأخطاء الغربية، ومع ذلك لا نبالى بما يسكن ذهنه من أغلاط ونلتفت إلى السلوك العام فحسب، ثم نبنى علية شتى الصلات .. إننى مستعد لمصادقة امرئ يؤمن بأن الأرض محمولة على قرن ثور!! ومستعد لموادة امرئ يوقن بقداسة العجول، ونسبها الموهوم إلى الآلهة. بل إننى أعتذر لشرود كثير من أصحاب العقائد الباطلة، وأقول في نفسى: وراثات كبلت عقولهم، وقيدت مشاعرهم، وما يمكن أن تنفك قيودها ولا أن تتقطع حبالها إلا على أزمنة متراخية يسودها السلام، ويخفى منها العناد، وتنفصل فيها العقائد عن الملابسات التى تغرى بالركون إلى جهل أو التنكر لعلم. وأنا رجل مسلم وثيق الصلة بدينى، راسخ القدم فيه، عنيف الغضب لما يوجه إليه من إساءات، مطمئن القلب إلى أن غيره من الديانات قد اعوجت به السبل، وأفلت منه الحق. ومع إيمانى التام بأن النصرانية- مثلا- تنطوى على أخطاء جسام في تصورها لله، وإنفاذها لحكمه، وفقهها لأمره ... مع ذلك فلست أرى أبدا أن طريق المعايشة السليمة ضيقة بأتباع الدينين. ولا أستغرب أبدا أن تقوم مودة صافية بين رجلين يؤمن أحدهما بأن الله واحد، ويؤمن الآخر بأن الله ثلاثة ... إن الخلاف العقلى في مثل هذه الشئون لن تفصل فيه محكمة تؤلف اليوم أو غدا. إنه خلاف سيبقى حتى يلقى الناس ربهم. وعندما تتلاقى كل هاتيك الفرق المتنازعة، وتمثل بين يدى الله، يومئذ- فحسب - يعرف المخطئ سر انحرافه: (إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) . أجل .. وسوف يسمع الله هذا الاختصام وسوف تترك الفرصة كاملة ليدلى كل فريق بما عنده .. لم؟ ص _016