بيد أن الأقدار الطيبة لا تزال معنا (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) . ولست أحب أن أخدع أحدا، ولا الخداع من شيمى. إنى أحب العروبة وأعمل على إنجاح قضاياها وإنصاف أهلها وتقدير رجالها لأننى مسلم. واستمساكى بدينى لا يعنى أبدا أن أحرم مواطنى العربى- أيا كان دينه- حقوق الوفاء والبر والمودة الواجبة له. وأريد منه أن يعاملنى بهذه القاعدة لا يعدوها ولا يزيد عليها. أما أن يقال: دع دينك فقد أصبح الكل عربا. فهذا هو اللغو السخيف. أو هذا مايود الاستعمار أن تنتهى الأمور إليه. حتى لا يكون إسلام ولا قرآن! وقد ألفت هذا الكتاب لأنفى الجو العربى من هذه النزعات. ولأقطع الطريق على ما تجيش به نفوس المستعمرين من وساوس. ولأنصف دينا تلح الليالى على النيل من قداسته. ولألقى أضواء على الأمشاج الهائلة التى تطفح بها دنيانا بعد ما بلونا فنونا لا تحصى من الغزو الثقافى الجلى منه والخفى. بل بعد ما أفلح هذا الغزو في خلق أشباح متحركة تعمل لحسابه، وهى تدرى أو لا تدرى! قلت: إن ظهور القومية العربية، وتسلمها زمام الأمر في مصر وسوريا، وتردد صداها في كل فج كان مفاجئة بعيدة الأثر في السياسة العالمية من ناحية، وفى الأوضاع المحلية لدينا من ناحية أخرى. ذلك أنه مسح - بين عشية وضحاها - كل ما أثاره الاستعمار من نعرات إقليمية ضيقة. وأنه أخرس المتهجمين على اللغة العربية وآدابها، ورد إليها الحياة في عالم التجارة والمال، وفى أنحاء المجتمع والدولة. ص _009