من ميدان، كان مباغتة متعبة للاستعمار، وعنصرا مربكا لخططه. فهى في ناحية الشكل عنوان لاينبغى أن يخيف. لكنها من ناحية الموضوع قد تقوم على موادة الإسلام ومواصلة أهله. وهذا ما يغتاظ منه، وينتصب لمخاصمته، إنه يكره العروبة لأنه يكره الإسلام. وهو لم يتوان في حربها أو يدخر وسعا في تقليب الأمور لها. ومن الكذب على الله وعلى الناس، الزعم بأن الاستعمار لم يكن مدفوعا في هذه العداوة بأسباب دينية يخفيها حينا ويبديها حينا آخر، وفق الظروف التى تعرض له! وأنا رجل عربى الجنس أدين بالإسلام. وهناك نصارى عرب لا يوافقوننى في معتقدى. وأعرف أن القومية العربية تشملنى وتشملهم، وأن دائرتها تجمعنى وإياهم في نطاق واحد. وماذا في ذلك؟ وأى ضير على أو عليهم؟ ليبقوا على دينهم ولأبق على دينى!! لكن الاستعمار يرفض هذا ويغتاظ له كما قلنا! إنه يريد القضاء على الإسلام، وإيصاد الأبواب أمام معتنقيه. وهو لو أبقى العروبة العامة، وبقى معها إسلام عربى ومسيحية عربية، فإن أمنيته الآثمة في الفتك بهذا الدين لم تتحقق. فلابد إذن من القضاء على هذه العروبة، حتى لو كلف العرب المسيحيين أن يتخلوا عن جنسيتهم ويبرأوا من دمهم، ويفصموا الأواصر بينهم وبين ماضيهم وحاضرهم! وهم- في نظره- فاعلون. وقد أوعز الاستعمار إلى زبانيته كى يدفعوا بالأوضاع العلمية والاجتماعية والسياسية إلى هذا المصير، وأدار مؤامراته في وادى النيل، وفى أقطار المغرب، وفى ربوع الشام لبلوغ هذا الهدف الخسيس. ووقع في أحابيله جم غفير من المسلمين والنصارى. ص _008