ونحن نستغرب هذا الكنود ونرى لزاما علينا أن نذكر أبناءنا به لا لشيء إلا ليعلموا ما لهم من حقوق، وما تكنه أفئدة الآخرين من عقوق وحسب. ويسرنا أن يوجد علماء منصفون من رجالات الغرب يروون الحقيقة العلمية غير مشوبة بلوثات التعصب الأعمى. ومن بين هؤلاء العلامة"روبرت بريفال"الذى ملأ كتابه بالأدلة القاطعة على ما للعرب من أياد سابغة أهلهم لأدائها تفوقهم العظيم على العالم كله يوم كانت أزمة العالم في أيديهم .. فهذا العالم المنصف يستعرض تاريخ أوروبا في القرون الأولى للميلاد إلى عصر النهضة الحديثة استعراضا مستوعبا نفاذا، ثم يجزم في ثقة العالم المستبصر - بأن المقدمات التى تنتزع من دراسة هذا التاريخ يستحيل أن تنتج ما يدعيه بعض المدعين من أن النهضة الحديثة كانت جنينا تم تكوينه في أحشاء أوروبا. كلا. كلا .. إنها نهضة مجلوبة البذور من الخارج، واسمع ما يقول:"إن النور الذى اشتعلت منه الحضارة مرة ثانية لم تشرق من جذوة الثقافة اليونانية الرومانية التى استخفت بين خرائب أوروبا، ولا من الحى الميت على البسفور (يعنى بيزنطة) .. إنه لم يظهر من الشمال ولا من الهاجمين على الإمبراطورية من الجنوب. بل برع من العرب".. ثم يقول: إن النهضة الحقيقية لا ترجع إلى القرن الخامس عشر فحسب، بل إلى تأثير العرب والمغاربة في إنهاض الثقافة. ولم تكن إيطاليا مهدا لحياة أوروبا الجديدة بل الأندلس (أسبانيا) . لأن أوروبا - بعد هبوطها المتواتر في الحالة الوحشية من أدنى إلى أسفل - كانت قد بلغت الأعماق من الجهل والفساد، بينما مدن العالم العربى"بغداد"و"القاهرة"و"قرطبة"و"طليطلة"كانت وحدها مراكز الحضارة والنشاط العقلى ... ومن ثم ظهرت الحياة الجديدة التى نمت في شكل ارتقاء إنسانى جديد ... ومن امتداد الزمن الذى أثر فيها نفوذ ثقافتهم بدأت الحياة الجديدة تتحرك ... ثم قال: وهنا أمر قد ذكر مرارا ولكنه مع هذا قد أهمل بالعناد واستخف به الإصرار. ص _082