فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 253

لم يطرد فيها - للأسف - النسق العلمى الجميل الذى شاع في سائر بحثه، والذى ترقرق في فصوله كلها طولا وعرضا. بيد أن الهنات. لا تمنعنا من تقدير الحقيقة العظيمة التى جلاها هذا المؤلف الكبير وأبرزها في إطار من الأدلة الحاسمة دلت على سعة نفسه واستبحار علمه وشمول نظرته ونقاء صحيفته. تلك الحقيقة هى فضل العرب على التقدم العلمى في الغرب وأثر حضارتهم الزاهية في حركة البعث التى أحيت أوروبا من موت طويل. لقد ظلت أوروبا سبعة قرون قبل ظهور الإسلام وثمانية قرون بعد ظهوره، وهى لا تعرف شيئا طائلا عن فلسفات العالم القديم، بله أن تستفيد من هذه الفلسفات في رفع مستواها الذهنى ودعم مكانتها الأدبية. ثم تحركت"أوروبا"وبدأ عصر النهضة يهزها من سباتها. فما الذى جد عليها؟ وما الذى بدل حياتها من جهل إلى علم، ومن ظلام إلى نور؟ يقول أصحاب الغرض ومنكرو الفضل: إنه تراث يونان وأثر أثينا وروما… عجبا .. فقد كان ذلك أجمع ركاما مندثرا في أعماق الماضى ظللتم بإزائه دهرا طويلا فما حبسكم عنه؟ وما منعه عنكم؟. يقولون: لقد جاء به إلى الغرب علماء دولة الروم الشرقية بعدما سقطت عاصمتها في يد الترك ومنذ هاجروا بدأ عصر الإحياء. نقول: لقد ظلت دولة الروم الشرقية ومعها هذا التراث ألفا من السنين فما صنعت به؟ إنها ما رفعت به رأسا ولا أعلى مستواها المادى والأدبى في قليل ولا كثير. الحقيقة التى أراد الغرض السيئ - أو الحقد الرديء - أن يطويها هى فضل العرب على الإنسانية كلها وعلى الفرنجة خاصة. إن نهضة العرب الكبرى إبَّان العصور الوسطى كانت الأصل الأول لحركة البعث العلمى والإصلاح الاجتماعى والمدنى في أوروبا. وإن الأندلس وجنوب إيطاليا وشرق أوروبا كانت معابر فياضة بالنشاط الإنسانى الراقى لتمدين بلاد غبرت عليها العصور وهى لم تتذوق طعما للمدنية بعدما طاحت روما وأثينا وعفى على آثارهما الزمن. ص _081

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت