فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 253

فإذا صح فلك فلماذا لا نسلم بأن الاعتقاد الذى يعدو العقل يمكن أن يكون صحيحا؟ و"بسكال"يحاول أن يظهر أن اليقين نفسه، وأن الوضوح نفسه فيهما شئ لا يمكن التدليل عليه، ثم يقول:"إننا نسلم بنوع من الجبر الداخلى الذى لا يمكن تعليله، وهو أشبه ما يكون بالغريزة"، ثم يقول بعد ذلك كله:"إن للقلب حججه التى لا يعرفها العقل". قلب وغريزة ومبادئ ... ! وعالم الهندسة هذا يزعم أنه يصل في نهاية برهانه إلى أشياء من الوضوح بحيث لا تقبل برهانا. وهو نسلم بها بحافز شعورى لا بإيمان عقلى يمكن تبريره. ومن ثم فإنه لما كان القلب عند"بسكال"هو الذى يحس بوجود الله لا العقل، فإن ذلك الإله الذى يدركه القلب يصبح إلها مشروعا أمام العقل بحكم نقد ذلك العقل لنفسه ... وهذا ليس معناه عدم وجود أسباب للإيمان كما يرى .. ! فهناك - مثلا - معجزات"المسيح"وفيها يرى"بسكال"سببا للإيمان. ولكن العقل يقبل الشك فيها لما فيه من ضياء وظلمة. وفى ضيائه أحيانا من الاضطراب ما يمنعنا من أن نستسلم إليه طائعين. ومن ثم يعجز بنفسه عن أن يحملنا على التسليم. وإذن فأسباب الإيمان ليست حاسمة بالنسبة إلى المؤمن. ووظيفة العقل الأساسية في الإيمان العقلى ليست إلا في نقده لنفسه. وهذه الفكرة قد استخدمها رجال الدين مرات كثيرة محاولين تحطيم العقل بالعقل نفسه وذلك خدمة للإيمان! هل انتهيت من قراءة هذا الدفاع المتين عن الدين بعد انفصاله عن العقل؟ إن هذا الكلام المنمق المزوق اسمه فلسفة. وأول تلك الفلسفة أن تتباله وتتغابى لتبلع النقائض المستعصية وتتعود الإيمان. وثانيه أن تقتحم على العقل مكانه العتيد، وتقول ما أنت؟ وهنا مغالطة مكشوفة تضم ما يستعصى على العقل فهمه إلى جوار ما يحكم جازما باستحالته. والبون بعيد. ص _076

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت