فما يعجز العقل بطبيعته عن إدراكه والحكم فيه - لأنه وراء ما قلته - شئ غير ما يمكنه تصوره والبت فيه برأى حاسم. واتهام العقل بالقصور في المسائل الأخيرة لأنه عاجز في المسائل الأولى كلام فارغ، وما نظن"بسكال"إلا مخبولا ساعة قاله .. ولكن هذا الخبل فلسفة دين! ثم تجئ وسيلة أخرى للإيمان. والوسيلة الأخرى هى الإلهام، والإلهام عند"بسكال"هو الشعور القلبى الذى يحمل الإنسان على أن يهب نفسه. يهبها هبة تامة كما يفعل المولهون. والإيمان أشبه ما يكون بالوله، ولكن الإلهام أيضا التفاتة إلهية، إنه فيض من الله. أقول: وهذا أسلوب في الفهم والإقناع لا قبل لنا به. وأخوف ما نخافه - بعد الزعم بأن الإيمان هبة عليا - أن يعتبر المحرومون من هذه الهبة أنجاسا تستأصل شأفتهم وتستباح حرياتهم وحقوقهم لأن بركات السماء لم تحل بهم. ويظهر أن نظرة النصارى إلى معارضيهم في قصة التثليث والصلب تأخذ هذه الوجه المعينة. وهنا يقوم السيف مكان الحجة، ويقوم الإرهاب مكان الإقناع. وتلجأ الكنيسة في معاملة خصومها إلى الاضطهاد والمصادرة. ومن وراء هذه السياسة شعور بأن المعارضين قوم خلت قلوبهم من نفحات السماء وحقت مكانها أرواح الشياطين، ولذلك ينبغى أن يضربوا دون هوادة.
إن الحياة الإنسانية سوف تمر بأدوار طويلة من الشقاء ما بقيت هذه الأفكار تسودها. ونحن نعلم أن الصليبية جرَّبت سياسة القوة والعنف أزمنة متعاقبة، أو جرَّبت سياسة المختل والمداراة التى تسندها المدافع والقاذفات كما يحدث في ذلك العصر. فهل لها أن تجرب سياسة الأدب والملاينة، واحترام العقل، وقبول العيش إلى جوار مبادئ أخرى؟ وسواء قبلت أم رفضت .. فإن الإسلام لن يدع سبيلا يبقى عليه حق العبادة إلا سار فيها. فإن كانت السلم، فبها ونعمت، وإلا استقتل في الذود عن حقيقته وحماه.
ص _077