إننا نكاد نجزم بأن ذلك هو السر الكامن وراء التعصب البالغ الذى غرف به تاريخ القوم. فقيام عقيدة ما بعيدآ عن قواعد المنطق معناه رفض الجدل في أساسها، ومنع الفكر من التعرض لها، وخلق جو لا يسمح بالعيش لغيرها. وذلك في نظرنا هو السبب الوحيد لسياسة الإكراه والتزمت والأثرة التى برزت في تاريخ المسيحية كما لم تبرز في تاريخ دين آخر. ونحب أن ننقل هنا - دون أن نناقش - ما كتبه الفيلسوف الفرنسى"هنرى دى لاكروا"فى شرح أصول المسيحية وطرق سيرها إلى الضمائر والعقول. قال:"ولننظر في الاعتقاد المسيحى: إله ينزل إلى الأرض ليفتدى الإنسان، وإله واحد في ثلاثة أشخاص .. ! هذا الاعتقاد لا يماشى العقل، ورجال اللاهوت أنفسهم يعلمون ذلك حق العلم، والمؤلفة أنفسهم يترددون بإزاء إله كهذا مكون من ثلاثة أشخاص، إله له طبيعتان: طبيعة إلهية وطبيعة بشرية. يترددون بإزاء كائن خالد صمد يصبح إنسانا فيأثم كالإنسان ليفتدى خطايا البشر .. !! إن في المسيحية أنواعا من المعتقدات العجيبة يلقى أرسخ المدافعين عنها أكبر الصعوبات في تسويغها. ومعنى ذلك أن الاعتقاد بشيء غير عقلى قد تؤمن به أحيانا لأسباب عقلية، وأحيانا أخرى لأسباب غريبة عن العقل .. ! ومن ثم فالإيمان الدينى لا يمكن أن يكون إيمانا عقليا محضا. ومع ذلك يسعى هذا الإيمان إلى أن يكون عقليا! لماذا؟ لأنه بدون مسوغ عقلى يمكن لأى اعتقاد أن يبدو شيئا مشروعا. وإذا كنا نستطيع أن نؤمن معفين أنفسنا من فحص أدلة ذلك الإيمان، فلماذا لا نؤمن عندئذ بكل الخرافات التى ترويها الأساطير القديمة؟ ص _073"