فى كل حالة قامت المسيحية فيها بحرمان الأفراد من الحرية الدينية كانت السلطة الحكومية مركزة في يدها. والحكومة دائمآ في وضع يسمح لها بإرغام الأفراد، إذ أنها قوة منظمة أو غير منظمة، تملك ماتشاء. وهى بطبيعة تكوينها لا تخرج عن كونها قوة مادية. وقد تكون الحكومة ضرورة لتنظيم وإدارة شئون الأفراد. ولكنها- على الرغم من ذلك- تمثل التسلط والإرغام. بيد أن الدين شىء روحى، إنه اتصال الله بقلب وعقل الإنسان بالإقناع والتعليم دون ما قوة وإرغام. فالدين يثبت عن طريق الإقناع والإلهام. أما الحكومة فعن طريق الإرغام والقوة. وهما بذلك لا يتفقان في شىء، بل إنهما متضادان. فإذا تسلط الدين على قلوب الأفراد فليست ثمة حاجة حينئذ إلا لسلطة حكومية بسيطة. وهذا هو ما دعا"جفرسون"إلى أن يقول:"أفضل الحكومات أقلها سلطة". إذ أنه كلما زادت سلطة أحدهما قلت سلطة الآخر. فالدين والحكومة يكمل أحدهما الآخر، ويعوض أحدهما عن الآخر. ولكن لا يمكن أن يتحدا دون استخدام العنف والتعذيب. وهنا يقع الزغل الكبير في تاريخ المسيحية. وهذا الزغل قد أدى إلى التعصب الذى قاوم الحرية الدينية. فإذا قرأت جيدا أخبار ستة عشر قرنا من القيود الدينية والاضطهاد والتعصب في جميع الدول المسيحية الأوروبية، وفى شمال وجنوب أمريكا، سواء أكانت تلك الدول كاثوليكية أم بروتستانتية فلن تجد إنكارا للحرية الدينية يستحق الذكر إلا من الدول التى اتحد فيها الدين مع الحكم برباط قوى لا يمكن فصمه". وعلى هذا النحو مضى الدكتور يغرينا أو يؤكد لنا أن الدين يجب فصله عن الدولة. ص _031"