ويظهر أن الدكتور"هتشنسون"الأمريكى، كان يائسا كل اليأس من حصانة الضمير الدينى، ومتشائما كل التشاؤم من تسليم أزفة الحكم له. ولذلك دعا - بقوة وحرارة - إلى فصل الدين عن الدولة. رائيآ أن ذلك هو الضمان الوحيد لتوطيد الحريات العامة، وأنه كذلك هو السياج القوى لمنع الاضطهاد الدينى. والدكتور الفاضل يرى أن أمريكا - يعنى الولايات المتحدة - لا يصح أن تسمى دولة مسيحية، وإن تكونت من أتباع لهذا الدين، فإن انفصال الدين عن الدولة قائم أو يجب أن يقوم ... وهذا الكلام نرضى بواعثه وننكر وسائله. فإن فصل الدين عن ا الدولة نغمة ولدت في الغرب للخلاص من القيود الكنسية على حرية العقل والضمير، ثم نقلت إلى الشرق كى تمهد العقبات أمام الزحف الاستعمارى، وتهد قلاع المقاومة الهائلة التى ثارت في وجهه. أى أنها كلمة قيلت هناك للحد من طغيان رجال الدين، وتقال هنا لهدم دين كامل، والإتيان على بنيانه من القواعد. وقد قيلت هناك وبقيت روح الغرب المسيحى تعمل عملها في الكيد لنا، وتمزيق شملنا، ثم قيلت هنا لنقبل هذا الكيد، ونستكين لهذا التمزيق. والدول التى زعمت أن الدين منفصل عنها، هى بعينها الدول التى تهيج الفتن في العالم الإسلامى، وتنبعث في سياستها عن تعصب مقيت ضده. ولو نفخنا الأغشية الرقيقة التى تخفى الأساليب العسكرية والمدنية والثقافية في معاملاتنا لوجدنا لإنجلترا وفرنسا وأمريكا وغيرها وجها صليبيا كالحا يقدح بالشرر ويتميز بالغيظ. إن تأمين الحريات الإنسانية، في مقدمتها الحرية الدينية، لا يتأتى بفصل الدين عن الدولة على النسق الذى عرفناه في دول الغرب صغراها وكبراها. فإن هذا الفصل المزعوم كان أكذوبة كبرى. وترويجه في أقطار الشرق الإسلامى خدعة رديئة لا تغيب دلالتها عن بصير، وإن اشتغلت بذلك صحف ومجلات، واحتشد أدباء مغرورون أو مأجورون. إن الإسلام أرحب الأديان حضارة، وألينها عريكة، وأرحمها معاملة، وأحناها على مخالف وجاهل. ص