وإغراء الأولاد على الاسترسال مع جماح الهوى، أو مع حرية الإرادة - كما يقولون - لن يخلق جيلا محترما من البشر، بل سيخلق أجيالا واهنة العزيمة، سريعة إلى الجريمة، لا نفع منها ولا خير فيها.
نحن نعرف أن الحرمان الدائم له معقبات سيئة، وأن إعلان الحرب على الغرائز البشرية - بغية استئصالها - يتبعه رد فعل شنيع. ذلك أن الله لم يخلق هذا لغرائز لتكبح وتموت، بل لتحكم وتؤدى وظيفتها في الحياة على صراط مستقيم. ومن قديم عرف"علماء التربية"أن التوسط هو الفضيلة. فإن كانت البطنة شرا، فلن يكون الجوع خيرا. ورياضة النفس بالتجويع ربما كانت أسوأ - في عقباها ت من البطنة كما قال البوصيرى:
واخش الدسائس من جوع ومن شبع ... فرب مخمصة شرمن التخيم
ولكن الذى قال هذا في التخويف من آثار الكبت قال:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
وقريب من هذا قول! الشاعر:
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع!!
والكبت في أحوال كثيرة قد يكون تسليط الإرادة البصيرة على طبيعة عمياء، أو الإيثار العالى على أثرة صغيرة، أو تغليب العدالة والحرمان على الظلم والخطف، أو الشرف والكرامة على الدنايا العاجلة!! فكيف يعاب الكبت في هذه المواطن كلها، وكيف يزعم زاعم أن إنشاء الأجيال الجديدة يجب أن يراعى فيه عدم الكبت؟ أخشى أن يكون عدم الكبت هذا أقصر طريق لخلق طوائف من الأنعام لا طوائف من الأنام! إن الرجل يقف في ميدان القتال فيهيج في دمه حب الحياة، ويود لو نجا من منظر الموت الكالح. ص _246