إننى أمشى في الطريق فأدهش لافتنان الجاهلية الحديثة في التهتك وإبراز العورات. وفى استفزازها الغرائز الهاجعة كى تعربد ثم تفتك بكل أثر للإيمان والتحفظ والتقوى .. نعم .. فلو ترك الناس وشأنهم لكان شرهم الحيوانى المعتاد أقل ألف مرة من ذلك الشر المستطار المعتوه الذى تشعل ناره نزوات الملحدين والماجنين كل صباح وكل مساء ... فإن أقوى المشاعر وأحدها يبرد أو يعتدل مع ضعف المؤثرات الخارجية وتراخى الزمن. فالأب الثاكل أو الأم المكلومة تخمد نارهما مع التصبر ومر الأيام. ولذلك يقول الشعر: فو الله ما أنسى قتيلا رزئته بجانب قوسى ما مشيتُ على الأرض ثم يعتذر عن استجابة بره بهذه اليمين فيقول: على أنها تشفى الكلوم وإنما توكل بالأبىِّ وإن جَلَّ ما يمضى واندمال الجراحات - وإن غارت - لا يتم إذا جاءت بين الحين والحين نائحة مستأجرة تنبش الذكريات الدفينة، وتطرد الصبر الوافد، وتحيى الجزع وتستبقيه. وفى هذه الأيام يوجد لفيف من عملاء الشيطان، كرسوا أوقاتهم لمطاردة العفاف والتقوى، وتوطين المجون والهوى، يعبثون بغرائز الشباب ويعملون على بقائها متوترة مضطربة كلما انصرفت إلى جد أزالوها عنه. وكلما وقعت على لهو زينوه لها، وكلما ملت متعة عرضوا فنونا تنفى السآمة وتغرى بالمزيد من العيب والسخف. والغريب أن هؤلاء أعلى صوتا من دعاة الطهر والأدب. بل إن نصائح الواعظين إلى جانب الضجيج الهائل الذى تحدثه في المجتمع أولئك المنحلون السفهاء تشبه وقع العصا في معركة تدمدم فيها المدافع والطائرات!! وكثيرا ما أسير في الطرق العامة، فأرى ما يقذى عيون الأشراف والأطهار، ويملأ بالكآبة والحسرة كل نفس غيور على مستقبل هذه البلاد! ما هذا الضيق البالغ في ملابس النساء؟ لقد أسأل نفسى: كيف أمكن المرأة أن تدخل في هذا الثوب الملتصق بكل شئ في بدنها؟ ص _229