ولا معنى لاستخدام السلاح في الاستدلال على شىء من هذا الكلام أو في الإقناع به، ولا لإقحام الدولة في فتنة المؤمنين عما استراحت إليه ضمائرهم من هذه الخلافات والمذاهب. وما يمكن التعاون عليه بإخلاص وصدق كثير. وما وقع من خلاف يعز على التفاهم، فلنفوض فيه الأمر إلى الله. ويجب ألا يكون ذريعة عدوان أو تحاقد أو بغى. لقد استقبلت بهذا التفكير الدعوة إلى عقد مؤتمر مسيحى إسلامى. وكان- من حسن الحظ- أن حضرت جلساته التى انعقدت في الإسكندرية من بضع سنين. وأحسب أن ألوف العقلاء يسرهم الوفاق بين طوائف البشر. غير أن الحوادث الرهيبة التى سبقت ولحقت هذا المؤتمر، وسير المناقشات فيه يجعلنى أتشاءم من مستقبل العلاقة بين الدينين، ويجعلنى أحاذر من عودة الأمور إلى مجراها المؤسف القديم ... ولدت فكرة"التعاون المسيحى الإسلامى"فى ظروف كئيبة. إذ أن أبناء الإسلام كانوا يتلوون من الألم والأذى بعد الضربة الشائنة الموجعة التى نزلت بهم في فلسطين .. ألم تتآمر الدول النصرانية- كبراها وصغراها- على طرد العرب من ديارهم وأموالهم، وتتفق- في صفاقة نادرة- على توريث اليهود أرض الأحياء المقهورين ثم تنتصب أعظم الأمم المسيحية على ظهر الأرض- وهى"أمريكا"و"إنجلترا"و"فرنسا"- لإقرار ذلك الجور بقوة السلاح وإعلان الاستمساك به وحمايته؟! ولو كان ذلك العمل غفوة ضمير نام ثم استيقظ، أو زلة قدم سقطت ثم تابت لقبلنا المعذرة. فكيف وهذا العدوان الفاحش سبقه ولحقه التحدى والإصرار؟ وبعد تسع سنين من وقوعه تستأنف إنجلترا وفرنسا- ومعهما اليهود- الهجوم على مصر نفسها لإذلالها وإخماد أنفاسها .. فإذا أنجاها القدر الأعلى تدخلت أمريكا لتزويد إسرائيل قوة على قوة. ولتفك الحصار الضئيل المفروض عليها، فترسل أسطولها الضخم ليجعل الملاحة في خليج العقبة ميسر لليهود. ص _019