لقد نظر الرومان- وهم في ذلك العصر أصحاب السلطان- باسم النصرانية. نظروا إلى الإسلام لا على أنه دين يعاون في هداية البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور. بل على أنه منافس محذور النجاح. كما ينظر التاجر القديم إلى مؤسسة جديدة مزودة بأسباب النهوض والنماء، فهو يرى امتدادها والإقبال عليها خطرا على كيانه وبقائه. والنصرانية من هذه الزاوية معذورة في كراهيتها للإسلام. بيد أننا نتساءل: أكل جديد في ميدان العلم والمال والرأى والفقه ينبغى أن يصد عنه ويستباح حماه لأن هناك من يكرهه ومن يضيق به؟!! كلا. فليترك المجال فسيحا للتنافس المشروع، ولتترك العقائد المختلفة تستمد حياتها وقداستها من سلامة مبادئها ومدى استجابة المؤمنين لها، وبقائهم عليها، دون ضغط أو قسر!! لكن رجال المسيحية- كما سنرى من استعراض التاريخ في الماضى والحاضر- يأبون على الإسلام أن يحيا، ويرفضون في بغضاء عميقة أن يرتفع له لواء. وخبثهم الاستعمارى في العصر تجديد لسيرتهم الأولى أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته. لم تتغير فيه إلا الوسائل. أما الغايات والنيات فهى هى حذوك النعل بالنعل. وكان من المستطاع لو صلحت المقاصد وزكت الأهداف أن يقوم تصالح على ترك العناصر المشتركة بين الدينين تسير طليقة أو- على الأصح- تسير مدفوعة بإخلاص الفريقين لها. ثم ينفرد كل بما اختص به يدعو إليه على حدة دون اشتباك دام مع الآخرين. فمثلا يجب أن ندعم جميعا عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر. وأن نحارب جميعا دعوة الإلحاد والفساد. ثم من حقنا- نحن المسلمين- بعد ذلك أن نفهم الجميع بأن الله واحد لا ولد له ولا والدة، وأن تتاح لنا فرص الدعاية لما ندين به. على أن تتاح هذه الفرص نفسها لمن يرون أن الله مكون من ثلاثة أقانيم كما تتكون الإصبع من ثلاث عقد. كل واحدة منها إله. وكلها كذلك إله. ص _018