فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 253

ومن ثَمَّ تكونت في مصر طائفة غريبة على الحياة العامة. قد يكون في بعضها ذكاء خارق رائع، أو نفع عميم أو جهد عظيم، ومع ذلك فيكفى أن تكون أزهرية لتقابل بهز الكتفين ... وزاد الطين بلة أن الدولة انصرفت عن العناية بهذا المسجد الكبير. ولم تبال أن تتقلص منه عناصر الحياة وأن تسود فيه عناصر الركود والضعف. فماذا ترى الآن؟ إنني أذهب إلى مبانى الكليات الأزهرية وقاعة المحاضرات الكبرى، فأجد عليها جميعا غبرة ترهقها قترة. برج الساعة خال لا ساعة فيه! القاعة مقفرة لا أنيس بها ولا صوت! زجاج النوافذ محطم وقد وضعت في فراغه أوراق الكرتون! الأطلال القديمة تسفى الغبار. والأبنية الجديدة يبول عليها الرعاع!! وجبل المقطم يلقى ظلال الخيبة على المكان الهامد! ولقد كان من ثلاثين سنة مقابر للموتى، وهو الآن مقابر لنفر من الشيوخ النائمين والشباب الهائمين .. إن أبى - رحمه الله - كان رجلا طيب القلب، كبير الروح. وقد نذرنى لخدمة الإسلام، ووقف حياته ونشاطه على إدخالى في الأزهر، وثابر - وهو المكافح الجلد - حتى نلت إجازتى منه. ورآنى وأنا أبدأ حياتى بمرتب ستة جنيهات. فقد كان الحظ إلى جانبى في هذه السنوات العجاف، وإلا ما استطعت أن أحصل على هذا المبلغ مع أن مئات العلماء كانوا يتضورون .... وهناك ألوف أمثالى أدخلوا الأزهر بهذه النية الصالحة. وكان من السهل توجيههم الوجهة التى يسهمون فيها بجهد رائع في خدمة هذه الأمة ورفعة شأنها. ص _176

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت