فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 253

إننى يا صديقى أجنب ذريتى المآسى التى لحقت بزملائى، وكادت تلفنى في أكفانها لولا أن الله لطف بى ... لقد دخلت الأزهر وعمرى عشر سنين، وقضيت فيه خمسة عشرعاما، لم أكن خلالها طالب علم يتفرغ لتلقى دروسه، بل كنت مقاتلا في حرب دائمة مع المجتمع والدولة!!! كانت الدنيا متجهمة لى، الدنيا الرسمية والدنيا الشعبية .. فأما الدنيا الرسمية .. فإن قوانين الدولة كانت تحظر على أمثالى الالتحاق بالوظائف العامة، وتجعل المناصب كبراها وصغراها لأبناء التعليم المدنى. وكان مفروضا أن جميع الوزارات تزدحم بغيرنا وتوصد أبوابها في وجوهنا، ويستحيل أن يفلت إلى داخلها أحد منا. والذى بقى لنا بعد ذلك عدة وظائف تافهة، لا يكفل راتبها حياة دابة. وأذكر أنه على عهد"صدقى باشا"عين نفر من علماء الأزهر المتخصصين - الذين قضوا في الدراسة مددا لا تقل إحداها عن خمسة عشر عاما - عين الواحد منهم بثلاثة جنيهات فقط. وذلك مرتب دون ما يقرر يومئذ لحامل الشهادة الابتدائية .. !!! إن الاستعمار السافر، منه والمقنع، دفع بالأزهر ورجاله إلى مستقبل كالح. فإذا تجاوزت الناحية الرسمية إلى الناحية الشعبية، فإن الفجوة التى حُفرت بيننا وبين الناس كانت عميقة - ولا تسلنى من حفرها؟ كان كثير من العامة يتعرض لنا بألفاظ السخرية والتهكم. ويرى التندر بملابسنا، والتفكه بعمائمنا .. مسلاة مستباحة .. ولما كان أغلب القادرين الواجدين يرفض تعريض أبنائه لمستقبل أسود. ويفضل الاتجاه بهم إلى التعليم المدنى، فإن التعليم الدينى أصبح منتجع الطبقات الفقيرة. ومصر بلد حكمه الفراعنة قديما، وقامت للإقطاع فيه دولة رأينا سادتها بأعيننا، وفى هذا البلد يحقر الفقير، ويذل، وتقتحمه الأ نظار باستهانة. ولما كان الأزهرى يمثل الدين ويمثل الفقر فهو يجمع بين حالتين مزريتين تضعان أمامه السدود وتثقلان أطرافه بأنواع القيود ... !!! ص _175

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت