وكان يسكن فى"مصر الجديدة"على مقربة من ساحة فيحاء، نهضت على جانبها البعيد كنيسة تنطح الآفاق بأبراجها الشم، ويشهد طرازها البيزنطى الفاخر والمكان الذى شغلته بأنها تكلفت نحو مائتى ألف جنيه. ولا أحب الاستماع إلى الإشاعات التى تقول: بأن مهندسنا المحترم هذا له يد طولى في التصريح بالبناء وإتمامه. ولكن الشىء الذى يجب أن نتابعه بعناية هو أن مسلمى الحى كانوا يحتشدون للصلوات في الجانب الآخر من الساحة العريضة. ولقد وسعتهم هذه البقعة من أرض الله، وأذكر أنى صليت معهم الظهر - ومعى زميلى الشيخ سيد سابق. وأرسلت طرفى يمنة ويسرة، فرأيت سورا من القصب واللبن حول قطع مبعثرة من الحصر، وفى جهة القبلة كرسى يمثل المنبر! وطابع المكان كله يدل على العوز الشديد. واقترب منى أحد الأهلين وقال: إن جمعية"الإمام على بن أبى طالب"سوف تبنى مسجدا بهذا المكان، وهى تجمع الصدقات له. وبعد فترة من الزمن جاءنى النبأ الغريب. إن المهندس الكبير - وكان رئيسا للبلدية - أمر بإزالة السور ومحو المسجد ومنع البناء. وأرسل إلى رجال الشرطة يطلب إليهم التنفيذ. ولكن منع الجمهور من أداء الصلاة والأذان لها في بقعة ملائمة لهم أمر يستحيل تنفيذه! وهَبْ أن السور التافه قد زال بغتة .. إن المؤمنين سوف يستحثهم ذلك إلى إعادته وحراسته. وفى ليلة معينة اجتمع ستة عشر بناء، وتواصوا بينهم ألا يطلع الصبح حتى يكونوا قد رفعوا السور أربعة أمتار، وحتى يكونوا قد أبرزوا بناء المسجد في ذلك الميدان! وجن جنون رئيس البلدية لهذه الجريمة النكراء، كيف أمكن المسلمين بناء مسجد متواضع بهذه السرعة! إنه - وهو الموظف الكبير - يجب أن يمنع هذا العدوان الغاشم. ص _146