إنه حقود حسود، لا يترك فرصة تمر من غيرأن ينتقم من الذين يخالفونه في الرأى ولو بعد سنين، مستخدما في ذلك نفوذه ووظيفته. شغل عدة مراكز إدارية، ونقل إلى عدة دوائر، وأثرى وأصبح من أرباب النعم بفضل عرق جبينه، طبعا!!! ولم يسأله أحد في يوم من الأيام: من أين لك هذا؟ كان في دائرته موظف من طائفته يحضر إلى مكتبه متى شاء، ويتغيب متى شاء، ولا حساب، ولا عتاب. وكان إلى جانبه موظف مسلم يرى ذلك بأم عينه، فيسكت خشية الانتقام منه. وحدث مرة أن طلب الموظف المسلم إجازة نظرا لضعفه ومرضه، فرفض حضرته منحه يوما واحدا، وانتهره قائلا:"إن أشغال الدائرة تتراكم يوما بعد يوم فكيف تتغيب؟ ولمن تتركها؟ - ولكن فلانا يا سيدى يتغيب باستمرار، إنه لا يحضر إلا في المناسبات. - عليك نفسك، ولا تتدخل فيما لا يعنيك! لقد كان صاحبنا يجمع المجد من أطرافه: فهو ابن أسرة معروفة. وهو تلميذ معاهد الرهبان، وربيب"الغرفة السوداء"يحضر اجتماعاتها، ويطبق سياستها، وينفذ خططها المرسومة بحكمة وإخلاص. أضف إلى هذه المزايا أنه صنيعة الفرنسيين، فهم الذين خلقوه، وفسحوا أمامه مجال الترقى والتقدم. فكان يترقى بقدر ما يظهر من تعصب، يثبت كفاءته في هذا الميدان. كم هم الموظفون النموذجيون الذين ورثهم عهد الاستقلال من أمثال هذا المخلوق؟ لندع الشمال إلى الجنوب، ولنفتش نحن أيضا عن مواريثنا من الأشخاص الذين احتل الاستعمار عقولهم وقلوبهم، فلما طردناه من أرضنا، بقى في نفوسهم لم يخرج. ... هو مهندس كبير- ويؤسفني أن تجيء الأمثلة من هذه الطائفة مع أن بها رجالا يستحقون كل إجلال - تولى منصبا يستطيع فيه أن يأمر وينهى وأن يتعب ويريح ... ص _145"