يكن له أعوان على النشوء من النجاح الذى فازت به العرب حينما تصدوا لفتحهما وهم ينسبون فوزهم ذلك إلى دينهم الجديد والعون الإلهى الذى وصل إليهم بسببه. أما مملكة الروم فكانت قد أخذت في الوهن والانحطاط من بعد"قسطنطين"حتى كان أكثر خلفائه لا يعرفون إلا بذميم الخلال ولا سيما الجبن والفظاظة. ولما ابتدأ أمر الإسلام كان برابرة القوط قد أغاروا على القسم الغربى من الملكة الهنكارية وتغلبوا عليه. وأما القسم الشرقى فكان برابرة الترك يغزونه من الجهة الواحدة والفرس من الأخرى، حتى أصبح وليس للروم فيه طاقة على دفع عدو قوى يهاجمهم. فلذا اضطر القيصر"موريقس"أن يؤدى الجزية إلى خاقان الترك. ولما خرج الدمستق"فقاس"على هذا القيصر وقتله. أثار بعض الجند على بعض فتفانوا عن بكرة أبيهم. حتى إن"هرقل"لما تبوأ منصب العاهلية بعد ذلك بسبع سنين لا غير، ورام أن يجمع قلبهم لم يجد حيا سوى اثنين فقط من كل الجنود الذين كانوا تحت السلاح حينما اغتصب"فقاس"السلطان. ومع أن"هرقل"هذا كان ولا شك رجلا هماما ذا رأى وتدبير، وقد أفرغ جهده في لم شعث الجيش ورده إلى الطاعة، وظهر على الفرس حتى أخرجهم عما كانوا قد استولوا علية من بلاد الروم وتغلب أيضا على قسم من بلادهم، إلا أن مقاتل المملكة قد أصيبت. حتى لم يكن قط وقت أشأم عليها من هذا ولا أيمن منه لما كانت العرب تنويه بها. فكأن الله جلت حكمته رام أن ينتقم من نصارى المشرق لتنكبهم على نهج الدين الأقدس الذى وضعه لهم فأرسل عليهم هؤلاء العرب يضربهم بهم.
ص _106