ونحن نثبت هذه العبارات على طولها، لأنها تتضمن دفاعا حارا ضد الإسلام، دفاعا لا ينقصه الذكاء ولا الجهد. إن الرجل ينسب انتشار الإسلام على حساب الرومان - خاصة - إلى ما ساد بينهم من اختلاف مذهبى، وشهوات بدنية ونفسية. ويرى أن هذا الاختلاف لفظى لا حقيقى، وأن تلك الشهوات موقوتة لا دائمة. ونحن نصدقه في نصف ما قال ونخالفه في النصف الآخر. أو نصدقه فيما قاله، ونخالفه في العلل التى ذكرها. إن التثليث مولد ذاتى للخلاف والغموض على تراخى العصور. ومشكلاته حقيقية لا شكلية .. وذلك بخلاف التوحيد المطلق الذى قرره الإسلام. ثم إن الإنسانية بعد نموها الفكرى الظاهر، الذى لم يعهد مثله في تاريخها الأول تحتاج في إقناعها العقلى، وتربيتها النفسية، وتنظيمها الاجتماعى والسياسى، إلى دين يكافئ هذا الامتداد في مواهبها وخصائصها. دين يشبع جوعها الروحى، وتألقها الذهنى. إنها بحاجة إلى الدين الذي تعاون النبيون جميعا على إبلاغ أصوله وتوطيد أركانه، ثم جاء صاحب الرسالة الخاتمة فأعطاه صورته النهائية المقنعة المشبعة. وإذا لم تعترف أوروبا بهذا الدين، فستبقى آخر الدهر فريسة المذاهب المادية شرقية كانت أو غربية. وستبقى صريعة الشهوات التى تغتال الطهر في الأنفس والعدل بين الأمم، ولله الأمر من قبل ومن بعد. ص _107