فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 253

وكان أكثر ما تنشأ هذه المناقشات عن القياصرة أنفسهم ولا سيما القيصر"قسطنطيوس"فإنه إذا لم يقدر أن يميز بين صحيح الدين المسيحى وخرافات العجائز ربك الدين بكثير من المسائل الخلافية بدلا من أن يلم شعث أهل الخلاف فيه فأسعر بذلك نار مشاحنات عديدة كلما خمدت أضرمها بغيرها مما لا نهاية له. ثم ازدادت هذه الحال سوءا على عهد"يوستنيانيوس"فإنه لم يؤثر أن يقصر في الغيرة على الدين عن أساقفة القرن الخامس والسادس حتى كان إذا قضى بقتل من يخالفه في المذهب لا يرى أنه جاء شيئا فريا. فلما فشا في أولياء الأمور وأرباب الدين هذا الفساد في العقائد والأخلاق والسيرة، نشأ عنه بالطبع فساد سيرة العامة من الناس فأصبحوا على اختلاف طبقاتهم، وليس لأحدهم هم سوى جمع الأموال من الوجوه المحللة أو المحزمة، ثم إتلافها في سرف العيش وانتهاك حرمات الله. هذا ما كان عليه حال النصرانية في غير بلاد العرب. أما حالها في بلاد هذه الأمة التى هى موضوع بحثنا - يقصد بلاد العرب - فلم يكن خيرا من ذلك. فقد اشتهرت هذه البلاد منذ القديم بكثرة البدع، ولعل ذلك ناشئا عن حرية القبائل واستقلالها. فكان في نصارى العرب قوم يعتقدون أن النفس تموت مع الجسد ثم تنشر معه في اليوم الآخر. وقيل إن"أريجانوس"هو الذى دس فيهم هذا المذهب. وكم وكم من بدعة انتشرت في جزيرة العرب لا نقول نشأت فيها. فمن ذلك بدعة كان أصحابها يقولون: بألوهية العذراء مريم ويعبدونها كأنما هى الله، ويقربون لها أقراصا مضفورة من الرقاق يقال لها"كليرس"، وبها سمى أصحاب هذه البدعة"كليريين". وهذه المقالة بألوهية مريم كان بعض أساقفة المجمع النيقاوى يقولون بها أيضا. فإنهم كانوا يزعمون أن مع الله الآب إلهين هما عيسى ومريم. ومن هذا كانوا يدعون ب-"المريمين". وكان بعضهم يذهب إلى أنها تجردت عن الطبيعة البشرية وتألهت. وليس هذا ببعيد عن مذهب قوم من نصارى عصرنا قد فسدت عقيدتهم حتى صاروا يدعونها تكملة الثالوث. كأنما الثالوث ناقص لولاها. وقد أنكر القرآن هذا الشطط لما فيه من ص _104

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت