إن الدولة لم تستخدم في الإسلام قط أداة قسر على ترك دين واعتناق آخر، كما وقع ويقع في أقطار أخرى، لخدمة أديان أخرى. وما حاجة الإسلام إلى الإكراه ومبادئه تنساب إلى القلوب من تلقاء نفسها لأنها الفطرة، وتعاليمه تنساق إلى العقول كما تنساق البديهات التى يلقاها الفكر بالتسليم ولا يستطيع أمامها مراء. إن البيئة الحرة أخصب مكان لازدهار الإسلام، ولولا شقوة الناس ما نصبوا العوائق أمام رسالته، ولتركوها تبين عن طبيعتها في هدوء .. ومنذ أيام وقع في يدى كتاب من هذه الكتب التى يؤلفها المبشرون والمستشرقون، ويملؤنها بالطعون في الإسلام والضغن على نبيه. ولما كنت قد ألفت تهجم القوم فإننى لم أفزع لما ورد في الكتاب من تهم، أعرف ويعرف غيرى قيمتها. لكن الكتاب الذى قرأته تضمن عبارات في التعليق على انتشار الإسلام أرى من المصلحة إثباتها لأنها ترد نجاح الإسلام وارتفاع شأنه إلى خلل طارئ على القوى التى واجهها، لا إلى صلاحيته الذاتية، وأصوله النفسية والفكرية. قال المؤلف المذكور: إذا أمعنا النظر فيما كتبه مؤرخو الكنيسة منذ القرن الثالث للميلاد ألفينا حال الأمة النصرانية لذلك العهد بعيدة جدآ عما وصفها به بعض المصنفين من تقوى وصلاح. وذلك أنها فضلا عن كونها لم تكن مؤيدة بالنعمة الفعالة والغيرة والتقوى، ولم تكن راسخة على أساس التعليم الصحيح وعلى الاتحاد وثبات الإيمان كما زعموا. كان رعاتها مشتغلين بالمطامع الشخصية يتخذون العويص من مسائل الدين ذريعة للمشاجرات والمماحكات. وقد انقسموا فيها إلى فرق وبدع لا تعد. ونفوا من صدورهم ما ندب إليه الإنجيل من الموادعة والمحبة والمواساة، وعدلوا إلى المناوآت والضغائن وسائر المفاسد حتى إنهم بينما كانوا يتماحكون في أوهامهم في الدين أضاعوا جوهر الدين نفسه وكادت مشاجراتهم فيه تستأصله بتة. ومعظم ما ننكره الآن على بعض فرق النصرانية من باطل العقائد إنما نشأ وتأصل في تلك الأعصر المظلمة فعاد بالنفع على الإسلام وأعان على انتشاره. ص _102