فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 253

وهل كان يمكن قمع الاستعمار القديم أو الحديث إلا بالسلاح؟ إن أنبل قتال وقع على ظهر الأرض هو ما خاضه أتباع محمد صلى الله عليه وسلم لرد"الرومان"إلى أوروبا من حيث جاءوا لكسر شوكة المجوسية في فارس. ولكن كيف يتصور امرؤ راشد أن أربعة آلاف عربى مثلا يصلحون قوة عادية لفتح مصر، وتوطين الإسلام فيها جيلا بعد جيل؟؟ إنه لولا انبهار الأمم بالدين الجديد، وتجاوبها معه، وإحساسها بأنه هدية الأقدار إليها، ما دانت لأهله، ولا دخلت فيه .. ماذا عسى يصنع أربعة آلاف رجل في قطر كمصر، أمام عشرات الألوف من جند الرومان، ومشا يعيهم؟ وهب أنهم جن في الوغى، وأن خصومهم هباء، ما الذى جعل جماهير الشعب تسالم الوافدين، ثم تشرح صدرا بعقائدهم، ثم تهب هى لنصرتها بعد ما اعتنقتها؟ إنها طبيعة الحق عندما يحسن عرضه، وتنزاح العواقب أمام الرغبة فيه. وما مصر إلا مثلا لشقيقاتها التى كانت عانية في أسر الرومان، ثم شامت أنوار الصدق في هذا الدين فهوت إليه قلوبها، ثم حملت لواءه إلى يوم الناس هذا عن اعتزاز وحب. وعمر الباطل يطول بين الناس بمقدار ما تطول غيبة الحق عنهم، ولعل لهم عذرا في البقاء عليه ما داموا لا يعرفون غيره. وقد كان الناس على نحلهم الأولى قبل الإسلام بين راض بها عن قصور، أو راض بها عن اقتناع. فلما ظهر الدين الجديد، وتيسرت المقارنة، والمقابلة، بدأ التحول العظيم يشمل سواد الشعوب هنا وهناك، فما مضى قرن على البعثة حتى كان الإسلام ملء السمع والبصر، وكانت أجهزة الدولة الإسلامية ترقب هذا التحول من بعيد وهى دهشة، بل إن بعض الولاة استبقى ضريبة الجزية على من يدخل في الإسلام! كأن وظيفة الحاكم تعويق الناس عن الإيمان لا إغراؤهم باعتناقه. وما نذكر هذه القصة إلا لنشير إلى كذب من يزعمون أن شائبة إكراه وقعت في انتشار الإسلام. ص _101

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت