ـ [ماهر] ــــــــ [17 - 12 - 06, 05:47 م] ـ
يتساءل كثير من الناس لماذا يري بعض العلماء أحاديث شديدي الضعف وأقول: إن كثيرًا من العلماء حين يروون عن شديدي الضعف لا يقصدون بذلك الاحتجاج بها، بل من أجل فائدة كبيرة وهي أن يعلمونا أن هذا الحديث قد جاء بهذا الإسناد عن هذا الرواي الواهي؛ خشية أن يسقط هذا الراوي الواهي أو يبدل في الإسناد عمدًا أو سهوًا، ومثل هذا ندرك فيه أن هذا الحديث وهو لذلك الرواي الواهي فاحذر أن يأتيك إسناد أبدل فيه الواهي بالثقة أو أسقط لتدليس أو نحوه.
ومثال ذلك: رواه الترمذي (2651) ، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا نوح بن قيس، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (( يأتيكم رجال من قبل المشرق يتعلمون، فإذا جاءوكم فاستوصوا بهم خيرًا ) )، قال: فكان أبو سعيد إذا رآنا، قال: مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أقول: مدار هذا الحديث على أبي هارون فقد رواه عنه معمر، ومن طريقه البيهقي في"المدخل"، ومحمد بن مهزم عند الطيالسي، وسفيان عند ابن ماجه، والترمذي، والصيداوي، والحكم بن عبدة عند ابن ماجه، وعلي بن عاصم عند الرامهرمزي، والخطيب، ومحمد بن ذكوان عند البيهقي، والخطيب، وحسن بن صالح عند الخطيب، وقد تفرد به أبو هارون، وأشار إلى ذلك الترمذي إذ قال: (( هذا حديث لا نعرفه إلاَّ من حديث أبي هارون، عن أبي سعيد ) )، وأبو هارون هو عمارة بن جوين متروك الحديث ومنهم من كذبه، وعلى هذا فالحديث ضعيف جدًا.
فالترمذي - رحمه الله تعالى - حينما خرج الحديث صنع ذلك؛ ليفيدنا أن هذا الحديث إنما هو حديث أبي هارون لا غيره؛ ليحذرنا من أن يتبدل علينا بإسناد آخر، ونظن الحديث صحيحًا، وقد صدق ظن الترمذي إذ جاء من طريق اغتر به بعضهم فصحح الحديث؛ إذ أخرجه الرامهرمزي من طريق بشر بن معاذ العقدي قال: حدثنا أبو عبد الله (شيخ ينزل وراء منزل حماد بن زيد) ، قال: حدثنا الجريري.
وأوردت طريقًا آخر لهذا الحديث عن سعيد بن سليمان الواسطي، عن عباد بن العوام، عن الجريري - وهو سعيد بن إياس -، عن أبي نضرة العبدي، عن أبي سعيد به، واستدل بعض أئمة الحديث المتأخرين بهذا الطريق لتصحيح هذا الحديث إذ استشهد به الرامهرمزي في"المحدث الفاصل"، وابن أبي حاتم في"الجرح والتعديل"، وصححه الحاكم، وقال: (( هذا حديث صحيح ثابت لاتفاق الشيخين على الاحتجاج بسعيد بن سلمان، وعباد بن العوام، والجريري ثم احتجاج مسلم بحديث أبي نضرة فقد عددت له في المسند الصحيح أحد عشر أصلًا للجريري، ولم يخرجا هذا الحديث الذي هو أول حديث في فضل طلاب الحديث، ولا يعلم له علة فلهذا الحديث طرق يجمعها أهل الحديث عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد، وأبو هارون ممن سكتوا عنه ) )، وأشار البيهقي إلى أن رواية الجريري، عن أبي نضرة عاضدة لرواية أبي هارون إذ قال: (( هكذا رواه جماعة من الأئمة، عن أبي هارون العبدي. وأبو هارون، وإن كان ضعيفًا، فرواية أبي نضرة له شاهدة ) )، وحسنه العلائي فقال:
(( إسناده لا بأس به؛ لأن سعيد بن سليمان هذا هو النشيطي فيه لين يحتمل، حدّث عنه أبو زرعة، وأبو حاتم الرازي وغيرهما ) )، وصححه أيضًا العلامة الألباني حيث أورده في"الصحيحة"، وأسهب الكلام في تصحيحه مستندًا في ذلك إلى ما ذهب إليه
الحاكم، ورد على العلائي في أن سعيد بن سليمان هو الواسطي الثقة وليس النشيطي. وأورد بعد ذلك متابعات وشواهد أخرى للحديث.
إلاَّ أن الإمام أحمد كانت له نظرة أخرى لهذا السند دلت على دقة ملاحظة المتقدمين من أئمة الحديث وبعد نظرهم؛ إذ قال حينما سأله تلميذه مهنأ عن هذا الإسناد: (( ما خلق الله من ذا شيئًا، هذا حديث أبي هارون، عن أبي سعيد ) )، وعلق على ذلك العلامة الألباني قائلًا: (( وجواب أحمد هذا يحتمل أحد أمرين: إما أن يكون سعيد عنده هو الواسطي، وحينئذ فتوهيمه في إسناده إياه مما لا وجه له في نظري لثقته كما سبق، وإما أن يكون عني أنه النشيطي الضعيف، وهذا مما لا وجه له بعد ثبوت أنه
الواسطي )) .
والواضح أن علة الحديث ليست بكون سعيد بن سليمان هو الواسطي أو